ثمّ يتطرق الإمام عليه السلام للتوصية الثالثة التي ترتبط بما قبلها ويقول : « وَمَرَارَةُ الْيَأْسِ خَيْرٌ مِنَ الطَّلَبِ إِلَى النَّاسِ » . أي « اليأس » ممّا في أيدي الناس أفضل من الطلب إليهم .
والمراد من « اليأس » في هذه العبارة هو حالة من قطع الأمل بالآخرين من موقع الاختيار بحيث إنّ الإنسان يوصد على نفسه باب الطلب من الناس ، وهذا العمل وإن كان صعباً وشاقّاً ، ولكنّه يمنح الإنسان العزّة والشرف والكرامة ، ولهذا يقول الإمام عليه السلام ، إنّ مثل هذه المرارة أفضل من حلاوة الطلب والسؤال إلى الناس .
وعبارة « الْيأس عَمّا في أيْدِي النَّاسِ » بوصفها قيمة وفضيلة أخلاقية وردت في روايات عدّة عن الأئمّة المعصومين عليهم السلام منها ما ورد في رواية عن الإمام الباقر عليه السلام قال : « وَخَيْرُ الْمَالِ الثِّقَةُ بِاللَّهِ وَالْيَأْسُ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ » « 1 » .
وهذا الكلام لا يعني أنّ الإنسان يعرض عن التعاون والتكاتف مع الناس في أمور الحياة ، وأنّ الحياة الاجتماعية لا تقوم إلّاعلى أساس التعاون ، بل المراد أن لا ينظر المرء إلى أموال الناس بعين الطمع ولا يجعل الناس كَلّاً ، بل يسعى لكسب معاشه بنفسه .
وكما يقول الشاعر :
وَإِنْ كانَ طَعْمُ الْيَأْسِ مُرّاً فَإِنَّهُ * أَلَذُّ وَأَحْلى مِنْ سُؤالِ الْأَراذِلِ
ثمّ يبيّن الإمام عليه السلام في التوصية الرابعة ويقول : « وَالْحِرْفَةُ مَعَ الْعِفَّةِ خَيْرٌ مِنَ الْغِنَى مَعَ الْفُجُورِ » .
العفّة في اللغة وموارد استعمالها عند علماء الأخلاق لا تعني ضبط النفس من حيث الغريزة الجنسية ، بل ضبط النفس عن كلّ ذنب ، وجاءت في الجملة أعلاه بهذا المعنى ، لأنّ البعض لا يمتنع من اقتراف أيّ ذنب ومعصية في جمع الثروة والمال من هذه الجهة أو تلك ، أمّا المؤمنون الذين يعيشون الطهر والنقاء القلبي ربّما يجمعون
هامش
( 1 ) . تهذيب الأحكام ، ج 6 ، ص 378 ، ح 273 .