تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 526

مساهمون:

ص٥٢٦
وفي آية أخرى يقول : « قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ » « 1 » . أجل ، فالإنسان مهما شكّ في أيّ شيء فإنّه لا يستطيع الشكّ في هذه الحقيقة الحاسمة ، وهي أنّه سيأتي اليوم الذي لابدّ أن يرحل من هذا العالم ، وهذا اليوم غير معلوم ، لا في تاريخه ولا في الساعة أو الدقيقة ، فربّما يكون بعيداً وربّما يكون قريباً جدّاً ، اليوم أو غد ، والملفت أنّه لا يوجد أيّ استثناء لهذا القانون ، فأصحاب القدرة والثروة والأطبّاء الحاذقون وحتّى الأنبياء والأولياء يخضعون لهذا القانون ، والقرآن الكريم يخاطب النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله بقوله : « إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ » « 2 » . ثمّ إنّ الإمام عليه السلام يشير إلى نقطة مهمّة هي آخر تحذير في هذا المقطع من الوصيّة ويقول : « فَكُنْ مِنْهُ عَلَى حَذَرِ أَنْ يُدْرِكَكَ وَأَنْتَ عَلَى حَالٍ سَيِّئَةٍ ، قَدْ كُنْتَ تُحَدِّثُ نَفْسَكَ مِنْهَا بِالتَّوْبَةِ ، فَيَحُولَ بَيْنَكَ بَيْنَ ذَلِكَ ، فَإِذَا أَنْتَ قَدْ أَهْلَكْتَ نَفْسَكَ » . وفي هذا التحذير والإنذار يلفت الإمام عليه السلام نظر ولده إلى هذه الحقيقة ، وهي أنّ زمان الموت مبهم وغير معلوم في كلّ الأحوال ، فأحياناً يرتكب الإنسان معصيةً وينوي التوبة وتطهير صحيفة أعماله من لوث هذه المعصية بعد ذلك ، ولكنّ الموت يفاجئه بغتة ويسلب منه هذه الفرصة ، وكلّنا رأينا أو سمعنا في حياتنا بعض الأشخاص الذين أرادوا القيام بأعمال حسنة أو سيئة ولكنّ الموت باغتهم في تلك اللحظة فلم يستطيعوا إنجاز ما عزموا عليه ، ولم ينالوا بغيتهم . وفي هذه الأيّام التي نكتب فيها شرحاً لهذه الوصيّة سمعنا خبراً من أجهزة الإعلام أنّ مهرجاناً أقيم في بلدنا لأحد العلماء المعروفين ، وقد اشترك في ذلك المهرجان جماعة من الشخصيات والمدعوين وجلس ذلك العالم وهو ينتظر بفارع الصبر استلام الجائزة ، وفجأة في ذلك المكان حان أجله وأصيب بسكتة قلبية ، وانتهى كلّ شيء « 3 » .
هامش
( 1 ) . سورة الأحزاب ، الآية 16 . ( 2 ) . سورة الزمر ، الآية 30 . ( 3 ) . كان المرحوم الدكتور باقر آية اللَّه زاده الشيرازي استاذاً قديراً في مجال الترميم والعمران ، وله إعتقادات دينية قوية وعميقة ، وقد ابتدأ بهذه الآية الشريفة « إِنَّا لَانُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا » ( الكهف ، الآية 30 ) في محاضرته في ذلك المهرجان .
نفحات الولاية — صفحة 526 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي