الاستعانة بالبرهان والعقل لنقد الآراء الباطلة والعقائد الفاسدة لئلّا تسقط في مصائد هؤلاء المنحرفين ، وعبارة : « ثُمَّ أَشْفَقْتُ » مع الأخذ بالحسبان أنّ كلمة « ثمّ » إشارة لمطلب جديد ، فإنّها تتناسب أكثر مع التفسير الثاني .
وعلى حدّ قول الشيخ مغنية في شرحه لنهج البلاغة ، أنّ تعبيرات الإمام عليه السلام في هذا المقطع من الوصية يؤكّد مرّة أخرى على هذه الحقيقة ، وهي أنّ الإمام عليه السلام لم يطرح هذه التوصيات من موقع كونه إماماً ، وأنّ الإمام الحسن المجتبى عليه السلام بوصفه خليفة وإماماً بعده ، بل بوصفه أباً شفيقاً في مقابل ولده المحتاج للتعليم والتربية ، لأنّه كما سبقت الإشارة إليه ، أنّ الإمام الحسن عليه السلام كان قد بلغ من العمر في ذلك الوقت أكثر من ثلاثين سنة ، فهل يحتمل أن يكون الإمام عليّ عليه السلام قد غفل عن تعليم ولده القرآن إلى ذلك الوقت ، ولم يطلعه على الآراء الباطلة والمذاهب الفاسدة ؟ إنّ الإمام الحسن عليه السلام قد عاش أوّلًا في أحضان والده ، ثمّ بقي إلى جانبه كلّ هذه الأعوام الطويلة ، مضافاً إلى استماعه لخطب والده الفصيحة والبليغة وما خصّه من علم ومعرفة وتعاليم إلهيّة أيضاً .
وفي آخر جملة من هذا المقطع من الوصية يبرز الإمام عليه السلام أمله في أن تؤثّر هذه الوصايا أثرها بشكل كامل في ولده ويقول : « وَرَجَوْتُ أَنْ يُوَفِّقَكَ اللَّهُ فِيهِ لِرُشْدِكَ « 1 » ، أَنْ يَهْدِيَكَ لِقَصْدِكَ « 2 » ، فَعَهِدْتُ إِلَيْكَ وَصِيَّتِي هَذِهِ » .
ويستفاد من عبارة الإمام عليه السلام : « فَعَهِدْتُ إِلَيْكَ وَصِيَّتِي هَذِهِ » ، أنّ ما تقدّم من الأقسام التسعة لهذه الوصية تمثّل في الحقيقة مقدّمة لأصل الوصيّة ، والغاية منها أن يستعدّ الابن بشكل كامل لتقبّل الوصايا الأصلية التي سيذكرها الإمام عليه السلام لاحقاً ، فبدون التمهيد لها لا يمكن تحصيل النتائج المطلوبة المترتبة عليها .
هامش
( 1 ) . مفردة « رشد » في الأصل بمعنى السير نحو المقصد ، وجملة « راشداً مَهْدِياً » دعاء يقال عند توديع المسافر ، يعني إن شاء اللَّه ستصل إلى مقصودك وتهتدي إلى مرادك .
( 2 ) . « قصد » تأتي أحياناً بمعنى النيّة ، وأخرى بمعنى سلوك الطريق المستقيم والمعتدل بعيداً عن الافراط والتفريط ، و « قَصْدُ السبيل » تعني الجادة التي يسلكها الإنسان للوصول إلى مقصده .