بِمَا مَضَى عَلَيْهِ الْأَوَّلُونَ مِنْ آبَائِكَ ، وَالصَّالِحُونَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ » .
ولا شكّ أنّ تقوى اللَّه تعتبر على رأس الأولويات في وصايا جميع أولياء اللَّه والزاد والمتاع لمسيرة الإنسان إلى الآخرة وجواز دخول الجنّة والمعيار لجميع امتيازات الإنسان وفضائله الأخرى ، وعلى ضوء ذلك وردت التوصية بالتقوى في جميع خطب صلاة الجمعة والتأكيد عليها ، والتقوى هي حالة الخشية القلبية من اللَّه تعالى وتقبّل المسؤوليات الرسالية ، ومن شأنها منع الإنسان من التلوّث بالذنوب والخطايا .
وجملة : « وَالاقْتِصَارُ عَلَى مَا فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ » لا تعني أن يقنع الإنسان بالإتيان بالواجبات ويترك المستحبّات والسنن ، وهي ما سيأتي لاحقاً من اجتناب الأمور المسكوت عنها في الشريعة والتي لا يعيش الإنسان المسؤولية تجاهها ، أو لا يتيسّر تحقيقها وإنجازها بسهولة ، أو يستحيل على الإنسان نيلها ، من قبيل المعرفة بحقيقة الذات المقدّسة .
وجملة : « وَالصَّالِحُونَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ » إشارة إلى النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله والإمام عليّ عليه السلام وعبدالمطّلب وحمزة وأبي طالب وجعفر عليهم السلام .
ثمّ إنّ الإمام عليه السلام يتعرّض لذكر الدليل على هذه الحقيقة ، ويقول : « فَإِنَّهُمْ لَمْ يَدَعُوا أَنْ نَظَرُوا لِأَنْفُسِهِمْ كَمَا أَنْتَ نَاظِرٌ ، وَفَكَّرُوا كَمَا أَنْتَ مُفَكِّرٌ ، ثُمَّ رَدَّهُمْ آخِرُ ذَلِكَ إِلَى الْأَخْذِ بِمَا عَرَفُوا ، وَالْإِمْسَاكِ عَمَّا لَمْ يُكَلَّفُوا » .
وهذا الكلام أيضاً ناظر إلى أنّ الإنسان ينبغي أن يتحرّك على مستوى التحقيق في المسائل المتعلّقة بالدين والتي لا يعذر في الجهل بها ، بل يجب على الجميع الإطّلاع عليها ، وهناك بعض الأمور الخارجة عن قدرة الإنسان وقابليته الذهنية والعقلية ، كمعرفة الذات المقدّسة ، فلا يوجد أيّ نبيّ مرسل قد توصّل إلى هذه الحقيقة ، أو بعض الأمور التي وضعها اللَّه تعالى عن عاتق المكلّفين بلطفه وكرمه تخفيفاً منه لعباده ، ولكن ربّما يكون الإنسان مكلّفاً بها في حالة الإصرار عليها من
نفحات الولاية — صفحة 466
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٤٦٦