لِلدُّنْيَا « 1 » ، السَّاكِنِ مَسَاكِنَ الْمَوْتَى ، وَالظَّاعِنِ « 2 » عَنْهَا غَداً » .
فالإمام عليه السلام عندما ينطلق بذكر هذه الصفات لنفسه يهدف منها تحقيق عدّة أمور :
الأوّل : أن يُفهم ولده بأنّني عندما أكتب هذه الوصية لك فإنّني أحمل معي تجارب كثيرة حصلت عليها بمرور الزمان ، والآخر : أنّ القائل لهذه النصائح تحدّث بلغة التواضع ولم يتكلّم من موقع الفوقية والاستعلاء ، وهذا من شأنه أن يؤثّر إيجاباً في نفس المخاطب ، الثالث : أن يعلم ولده بأنّه عمّا قريب سيكون أباً ولابدّ أن يشعر بمسؤولية الوالد ويدرك هذه الحقيقة ، ودرك هذه الحقيقة يجعله مستعدّاً لقبول هذه المواعظ .
والتعبير ب « فانِ » ( وهي في الأصل « فانّي » ولكن حذفت الياء لمزيد التجانس مع الجمل اللاحقة ) إشارة إلى أنّني قضيت الشطر الأكبر من عمري ، وأنا الآن في مرحلة الرحيل من هذه الدنيا ، لأنّ الإمام عليه السلام تحدّث بهذا الكلام في وقت كان قد بلغ من العمر حسب الظاهر ستّين سنة .
وجملة : « الْمُقِرِّ لِلزَّمَانِ » إشارة إلى الحوادث والأزمات الصعبة والحوادث المرّة والحلوة التي يواجهها الإنسان في حركة الحياة والواقع .
وجملة : « الْمُدْبِرِ الْعُمُرِ » تأكيد على أنّني أسير في منزلق نهاية العمر ، وجملة :
« الْمُسْتَسْلِمِ لِلدُّنْيَا » إشارة إلى غلبة الحوادث والوقائع على إرادة الإنسان .
وجملة « السَّاكِنِ مَسَاكِنَ الْمَوْتَى » إشارة إلى أنّ المساكن التي نسكنها هي في الغالب من بناء وتشييد السابقين ، فأولئك بنوا هذا الدور ونحن سكنّا فيها وأحياناً نبني ويسكنها اللاحقون .
وأخيراً جملة : « وَالظَّاعِنِ عَنْهَا غَداً » إشارة إلى قرب لحظة الرحيل من هذه الدنيا ، يعني أنني عندما أكتب لك هذه الوصية أعلم بجميع هذه الخصوصيات والمفارقات .
هامش
( 1 ) . ورد في الكثير من النصوص والشروح لنهج البلاغة بعد هذه الصفة صفة أخرى وهي « الذامُّ لِلدُّنْيا » وحينئذٍ تبلغ صفات الدنيا في هذا المقطع إلى سبع صفات .
( 2 ) . « الظّاعِن » بمعنى المنتقل ، من « الظعن » على وزن « طعن » وتعني الانتقال من مكان إلى آخر .