في حصره الآخير بعث المسور أيضاً إلى معاوية فأغذّ السير حتّى قدم عليه فقال : إنّ عثمان بعثني إليك لتبعث إلى الرجال والخيول وتنصره بالحقّ وتمنع عنه الظلم ، فقال معاوية : إنّ عثمان أحسن فأحسن اللَّه به ، ثم غيّر فغيّر اللَّه به ، فشددت عليه ، وقال :
يامسور تركتم عثمان حتى إذا كانت نفسه في حنجرته قلتم : إذهب فادفع عنه الموت ، ليس ذلك بيدي ، ثمّ أنزلني في مشربة على رأسه فما دخل عليَّ حتّى قتل عثمان » « 1 » .
وجاء في تاريخ الطبري في حوادث سنة 35 الهجرية أنّ الثوّار حاصروا دار عثمان محاصرة شديدة وقطعوا عنه كلّ مدد حتّى الماء ، « وَقَدْ كانَ يَدْخُلُ بِالشَّيْءِ مِمَّا يُريدُ » « 2 » أي كان عليّ عليه السلام يأتيه بما يريد من الأمور .
ويذكر الطبري أيضاً في هذا الكتاب : أنّ الناس عندما منعوا الماء والغذاء عن عثمان سخط عليّ عليه السلام بشدّة وقال لهم : ياأيّها الناس إنّ الذي تعملون لا يشبه أمر المؤمنين ولا أمرالكافرين ، لا تقطعوا عن هذا الرجل المادّة ، فإنّ الروم وفارس عندما تؤسر تطعَم وتُسقى ، وما تعرّض لكم هذا الرجل بماتستحلّون حصره وقتله ؟ « 3 » .
ويضيف الطبري بعد نقله لهذا الكلام : عندما عزم المسلمون على مهاجمة عثمان منعهم من ذلك الحسن بن عليّ . . . ومن كان معه من أبناء الصحابة « 4 » .
ولكن بما أنّ الإمام عليه السلام كان قد انتقد عثمان مراراً عديدة قبل هذه الحادثة بسبب سوء أعماله ، ونصحه مراراً أن يكفّ عن تلك التصرّفات الشائنة ويحضر أمام الناس ويستمع ويستجيب لمطالبهم الحقّة ، فهذه الأمور أضحت فيما بعد ذريعة بيد معاوية وأمثاله بأنّ الإمام عليه السلام كان يثير الناس ضدّ عثمان ، فيقول الإمام : إذا كان الإرشاد والنصيحة ذنباً ( والحال أنّ مثل هذا الإرشاد يعدّ مصداقاً بارزاً للأمر بالمعروف
هامش
( 1 ) . تاريخ مدينة دمشق ، ج 39 ، ص 337 .
( 2 ) . تاريخ الطبري ، ج 3 ، ص 416 إلى 418 .
( 3 ) . المصدر السابق .
( 4 ) . المصدر السابق .