فلم ينصره ، قال : ولِمَ ؟ قال : لم ينصره المهاجرون والأنصار ، فقال معاوية : أما واللَّه ! إنّ نصرته كانت عليهم حقّاً واجباً ، وفرضاً لازماً ، فإذا ضيّعتموه فقد فعل اللَّه بكم ما أنتم أهله ، وأصاركم إلى ما رأيتم .
فقال أبو الطفيل : فما منعك ياأميرالمؤمنين ( يعني معاوية ) إذ تربّصت به ريب المنون أن تنصره ومعك أهل الشام ؟ قال معاوية : أو ما ترى طلبي بدمه ، فضحك أبو الطفيل وقال : بلى ولكنّي وإيّاك كما قال عبيد بن الأبرص :
لا ألْفِيَنَّكَ بَعْدَ الْمَوْتِ تَنْدُبُنِي * وَفِي حَيَاتِي مَا زَوَّدْتَنِي زَادِي « 1 »
ثمّ يتحدّث الإمام عليه السلام للتأكيد ولتوضيح ما تقدّم من كلامه السابق من عدم استجابة معاوية لدعوة عثمان لنصرته ، والآن يلقي باللائمة على الآخرين في عدم الدفاع عنه ويقول : « كَلَّا وَاللَّهِ لَ « قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ « 2 » مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا » « 3 » » .
ونعلم أنّ هذه الآية نزلت في شأن طائفتين من المنافقين ، إحداهما اجتنبت الجهاد والقتال في معركة الأحزاب ودعوا الآخرين لاجتناب الدخول في الحرب ، والأخرى الذين قالوا لإخوانهم من المسلمين هلّمُّ إلينا ولا تقحموا أنفسكم في هذا الخطر ، هؤلاء لم يكونوا من أهل الجهاد والقتال الأعداء ولا يشتركون في مواجهة قوى الكفر والشرك إلّانادراً ومن موقع الإكراه وعدم الرغبة .
ويحتمل أيضاً أنّ هذه الآية الشريفة لا تشير إلى وجود طائفتين من المنافقين ، بل تتحدّث عن حالة طائفة معينة تعيش حالتين ، أي تشير إلى تلك الطائفة من المنافقين الذين عندما يكونون في صفّ المجاهدين في ميدان القتال يمتنعون من الحرب والجهاد ، وعندما يتخلّفون عن الميدان يدعون الآخرين للتخلّف معهم وعدم
هامش
( 1 ) . الإمامة والسياسة ، ج 1 ، ص 214 .
( 2 ) . « المعوقين » من مادة « عَوْق » على وزن « فوق » بمعنى المنع والانصراف عن عمل معين ، و « عائق » تعني « المانع » و « معوق » بمعنى ما يمنع من الشيء .
( 3 ) . سورة الأحزاب ، الآية 18 .