أضف إلى ذلك أنّ المتقين وبسبب حياتهم البسيطة والبعيدة عن الترف والتجمّل ، عندما يحين أجلهم ويتركون الدنيا فإنّهم لا يشعرون بالحسرة في قلوبهم عليها ، ولكن المستهترين المتكبّرين والمترفين الذين عاشوا حياة الترف والتكالب على ملذّات الدنيا وزخارفها عندما يحين أجلهم فسوف يعيشون أشدّ الحسرات على ما سيتركونه من نعيم ولذّة ، وبخاصّة إذا كانوا يعتقدون باليوم الآخر ويعلمون أنّهم سيحملون وزر هذه الثروات والخطايا على أعناقهم يوم القيامة .
غِنى النَّفسِ يُغنيها إذا كُنتَ قانِعاً * وَلَيسَ بِمُغنيكَ الكَثيرُ مِنَ الحرِصِ
وَإنَّ اعتِقادَ الهَمّ للخَيرِ جامعٌ * وقِلَّةَ هَمِّ المَرءِ تَدعُو إلى النَّقصِ
ويستمرّ الإمام عليه السلام في كلامه عن خصال المتقّين ويقول : « ثُمَّ انْقَلَبُوا عَنْهَا بِالزَّادِ الْمُبَلِّغِ « 1 » ، وَالْمَتْجَرِ الرَّابِحِ أَصَابُوا لَذَّةَ زُهْدِ الدُّنْيَا فِي دُنْيَاهُمْ ، وَتَيَقَّنُوا أَنَّهُمْ جِيرَانُ اللَّهِ « 2 » غَداً فِي آخِرَتِهِمْ ، لَاتُرَدُّ لَهُمْ دَعْوَةٌ ، وَلَا يَنْقُصُ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ لَذَّةٍ » .
جملة : « لَا تُرَدُّ لَهُمْ دَعْوَةٌ » إشارة إلى ما ورد في الآية الشريفة : « لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ » « 3 » .
وجملة : « وَلَا يَنْقُصُ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ لَذَّةٍ » إشارة إلى قوله تعالى : « وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ » « 4 » .
وذهب بعض شرّاح نهجالبلاغة إلى أنّ عبارة : « لَا تُرَدُّ لَهُمْ دَعْوَةٌ وَلَا يَنْقُصُ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ لَذَّةٍ » ناظرة لحال المتقين في هذا الدنيا ، فإنّهم وبسبب إيمانهم وحسن يقينهم وصلاح عملهم مستجابو الدعوة ، فلا ينقص لهم شيء من لذّات الدنيا ، ولكن هذا التفسير بعيد عن الصواب ، لأنّ الجملة بعد هذه العبارة تتحدّث عن الآخرة ، وأمّا
هامش
( 1 ) . « المبلّغ » تعني في الجملة الزاد والمتاع الذي يوصل الإنسان إلى مقصده وهو من « البلوغ » بمعنى الوصول .
( 2 ) . « جيران اللَّه » كناية عن علوّ المقام ، لأنّ اللَّه تعالى ليس له دار خاصّة ليكون له جيران ، فالعبارة تشير إلى القرب المعنويّ من اللَّه تعالى .
( 3 ) . سورة يس ، الآية 57 .
( 4 ) . سورة فصلت ، الآية 31 .