القسم الثاني
وَاعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّ الْمُتَّقِينَ ذَهَبُوا بِعَاجِلِ الدُّنْيَا وَآجِلِ الْآخِرَةِ ، فَشَارَكُوا أَهْلَ الدُّنْيَا فِي دُنْيَاهُمْ ، وَلَمْ يُشَارِكُوا أَهْلَ الدُّنْيَا فِي آخِرَتِهِمْ ؛ سَكَنُوا الدُّنْيَا بِأَفْضَلِ مَا سُكِنَتْ ، وَأَكَلُوهَا بِأَفْضَلِ مَا أُكِلَتْ ، فَحَظُوا مِنَ الدُّنْيَا بِمَا حَظِيَ بِهِ الْمُتْرَفُونَ ، وَأَخَذُوا مِنْهَا مَا أَخَذَهُ الْجَبَابِرَةُ الْمُتَكَبِّرُونَ ؛ ثُمَّ انْقَلَبُوا عَنْهَا بِالزَّادِ الْمُبَلِّغِ ؛ وَالْمَتْجَرِ الرَّابِحِ أَصَابُوا لَذَّةَ زُهْدِ الدُّنْيَا فِي دُنْيَاهُمْ ، وَتَيَقَّنُوا أَنَّهُمْ جِيرَانُ اللَّهِ غَداً فِي آخِرَتِهِمْ . لَاتُرَدُّ لَهُمْ دَعْوَةٌ ، وَلَا يَنْقُصُ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ لَذَّةٍ .
الشرح والتفسير : الدنيا والآخرة لمن يعيش البساطة والزهد
في هذا المقطع من الرسالة تحدّث الإمام عليه السلام عن موضوع شامل في بيان صفات المتقّين وامتيازاتهم وخصالهم ليكون ذلك درساً لمحمّد بن أبي بكر ولسائر أهالي مصر ، يقول الإمام عليه السلام بداية :
« وَاعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّ الْمُتَّقِينَ ذَهَبُوا بِعَاجِلِ الدُّنْيَا وَآجِلِ الْآخِرَةِ ، فَشَارَكُوا أَهْلَ الدُّنْيَا فِي دُنْيَاهُمْ ، وَلَمْ يُشَارِكُوا « 1 » أَهْلَ الدُّنْيَا فِي آخِرَتِهِمْ » .
ثمّ إنّ الإمام عليه السلام تعرّض لشرح وتوضيح هذا العبارة فقال : « سَكَنُوا الدُّنْيَا بِأَفْضَلِ
هامش
( 1 ) . الضمير في « لَمْ يُشارِكُوا » يعود إلى المتقّين ، ومفهوم الجملة أنّ المتقّين في الآخرة لا يشاركون في عذاب أهل الدنيا والمجرمين ، ولكن ورد في بعض النسخ وكذلك النسخة المصححة لنهج البلاغة « لَمْ يُشارِكْهُم » وهي أكثر تناسباً مع المضمون ، وتعني أنّ أهل الدنيا لا يشاركون في الآخرة المتقين في نعيمهم في حين أنّ أهل الدنيا يشتركون مع المتقين في دنياهم بشكل معقول .