مَا سُكِنَتْ ، وَأَكَلُوهَا بِأَفْضَلِ مَا أُكِلَتْ ، فَحَظُوا مِنَ الدُّنْيَا بِمَا حَظِيَ بِهِ الْمُتْرَفُونَ « 1 » ، وَأَخَذُوا مِنْهَا مَا أَخَذَهُ الْجَبَابِرَةُ الْمُتَكَبِّرُونَ » ، ( أي بعيداً عن التكلّف والتكالب على زخارف الدنيا في تنميق المساكن وتزيين القصور ) . وأكلوها بأفضل ما اكلت ( الطعام الحلال والبسيط والبعيد عن التلوّث والإسراف ) .
ومفهوم هذا الكلام لا يعني أنّ المتقّين الزاهدين يهتمّون بالجلوس على الموائد الملوّنة والسكن في القصور المجللة وارتداء الملابس الأنيقة ، بل المراد من ذلك أنّ هؤلاء في حياتهم البسيطة يتنعّمون منها كما يتنعّم أهل الدنيا ، لأنّهم من جهة يسعون لتوفير ما يحتاجون إليه من المأكل والملبس والمسكن ، وبالتالي فإنّهم يتنعّمون بها أيضاً ، لأنّ الإنسان المحتاج عندما يحصل على مقصوده ويحقق مراده فإنّه يشعر باللذّة والراحة ، كالإنسان الجائع عندما يأكل طعاماً بسيطاً ، ومن جهة أخرى أنّهم يعلمون أنّ ما يملكونه قد حصلوا عليه من طريق حلال وأنّ اللَّه رزقهم هذه النعم بطريق مشروع ، فلا تترتّب عليه العقوبة الأخروية ، وبالتالي ينتفعون من هذه النعم والمواهب بروح هادئة وقلب مطمئن ومشاعر منفتحة .
والكثير من الأشخاص الذين يعيشون في بيوت صغيرة ويملكون وسائل بسيطة من الأثاث ويأكلون ويلبسون ما توفّر لهم من الطعام الزهيد الثمن واللباس المناسب ، يعيشون في ذات الوقت معنويات عالية ولا يجدون في أنفسهم امتعاضاً أو شكاية من حالهم ، وبذلك يحسّون بالطمأنينة والهدوء النفسيّ في واقع الحياة ويشعرون بالسعادة وطيب الخاطر ، في حين أنّ غالبية الأثرياء الذين يسكنون القصور المجللة ويملكون أفضل وسائل العيش ويجلسون على موائد ملوّنة وتجلب لهم أنواع الأطعمة ؛ يعيشون الاضطراب والقلق في حياتهم ، وأحياناً تصيبهم الكآبة المزمنة والأمراض النفسية ، والتجارب في هذا الموضوع تؤكّد صحة ما ذكره الإمام عليّ عليه السلام في العبارة أعلاه .
هامش
( 1 ) . « مُتْرَف » تعني ، كما تقدّم في شرح الرسالة 10 ، الأثرياء المغرورين الذين يعيشون حالة الطغيان .