ثمّ إنّ الإمام عليه السلام يتعرّض لبيان توصية أخرى ويقول : « ثُمَّ احْدُرْ « 1 » إِلَيْنَا مَا اجْتَمَعَ عِنْدَكَ نُصَيِّرْهُ حَيْثُ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ » .
وتنطلق هذه التوصية من دليلين : الأوّل : أنّه ربّما يوجد بعض المحتاجين والمحرومين الذين ينتظرون المساعدة من بيت المال ، فلو أبطأ إيصال حقّهم إليهم فسيواجهون العسر والضيق ولا يمكنهم حلّ مشاكلهم ، والآخر : أنّ تأخير إيصال هذه الأموال سيعرّضها للآفات ، ومن أجل وقايتها من تلك الآفات لابدّ من الإسراع في حملها إلى بيت المال وإيصالها إلى وليّ أمر المسلمين .
وذهب بعض الشرّاح لنهج البلاغة إلى أنّ المستفاد من هذه العبارة عدّة أحكام فقهية ، الأوّل ، جواز نقل الزكاة من مدينة إلى أخرى ، والآخر : أنّه لا يحقّ للمأمورين والعاملين على جمع الزكوات تقسيمها برأيهم ، والثالث : أنّ الزكاة يجب إيصالها إلى وليّ أمر المسلمين ويتمّ تقسيمها تحت نظره وإشرافه .
وبديهيّ أنّ هذا الحكم يتعلّق بالمناطق القريبة من مركز الحكومة والخلافة ، وأمّا المناطق البعيدة التي لا يمكن نقل مال الزكاة إلى المركز إلّابصورة نقود ، فلها حكم آخر ، يعني أنّ وكلاء الإمام عليه السلام يستطيعون جمع تلك الأموال وتقسيمها في مراكزهم ومحلّ ولايتهم .
ثمّ يبيّن الإمام عليه السلام كيفية نقل حيوانات الزكاة ويأمر عامله على الزكاة بعشرة أوامر دقيقة ويقول :
« فَإِذَا أَخَذَهَا أَمِينُكَ فَأَوْعِزْ « 2 » إِلَيْهِ أَلَّا يَحُولَ بَيْنَ نَاقَةٍ وَبَيْنَ فَصِيلِهَا « 3 » ، وَلَا
هامش
( 1 ) . « احدُرْ » من مادة « حدر » على وزن « حرف » بمعنى التحرك بسرعة ، وكذلك تعني جرّ الشيء من الأعلى إلىالأسفل ، وهنا المراد بها المعنى الأول يعني جمع زكاة الحيوانات والإتيان بها بسرعة إلينا لنوصلها إلى المستحقّين .
( 2 ) . « اوعِز » من مادة « وعز » على وزن « وعظ » بمعنى الاقتراح والتوصية لآخر بعمل معين .
( 3 ) . « فصيل » بمعنى ولد الإبل الذي فطم عن الرضاع ، ومن مادة « فصل » وهو فصل الطفل عن امّه في الارتضاع ، ولكن مع الالتفات إلى أنّ الإمام عليه السلام أمر بعد هذه الجملة أن لا يحلب جميع ما في الضرع من اللبن لينتفع به الفصيل ، فيستفاد من ذلك أنّ المقصود من الفصيل هنا ولد الناقة الذي على وشك أن يفصل ويفطم ولكنّه لحدّ الآن لم يفطم ( وعلى حدّ تعبير الأدباء هو مجاز بعلاقة الأوْل والمشارفة ) .