أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ الْمَرْءَ قَدْ يَسُرُّهُ دَرْكُ مَا لَمْ يَكُنْ لِيَفُوتَهُ ، وَيَسُوؤُهُ فَوْتُ مَا لَمْ يَكُنْ لِيُدْرِكَهُ ، فَلْيَكُنْ سُرُورُكَ بِمَا نِلْتَ مِنْ آخِرَتِكَ ، وَلْيَكُنْ أَسَفُكَ عَلَى مَا فَاتَكَ مِنْهَا ، وَمَا نِلْتَ مِنْ دُنْيَاكَ فَلَا تُكْثِرْ بِهِ فَرَحاً ، وَمَا فَاتَكَ مِنْهَا فَلَا تَأْسَ عَلَيْهِ جَزَعاً ، وَلْيَكُنْ هَمُّكَ فِيمَا بَعْدَ الْمَوْتِ .
الشرح والتفسير : السرور والحزن الموهومان
في هذه الرسالة يشير الإمام عليه السلام في مطلعها إلى نقطتين مهمّتين ومصيريّتين في حياة الإنسان ويقول : « أَمَّا بَعْدُ - أي بعد الحمد والثناء - ، فَإِنَّ الْمَرْءَ قَدْ يَسُرُّهُ دَرَكُ « 1 » مَا لَمْ يَكُنْ لِيَفُوتَهُ وَيَسُوؤُهُ فَوْتُ مَا لَمْ يَكُنْ لِيُدْرِكَهُ » .
إنّ مواهب الدنيا على نحوين ، فبعضها يحصل عليها الإنسان بسعيه وعمله ويفقدها بتكاسله وتماهله ، والنحو الآخر ، يحصل عليه الإنسان بدون سعي وبذل جهد ، وأحياناً يفقد الإنسان مثل هذه المكاسب الدنيوية حتى لو سعى وبذل الجهد في سبيل تحصيلها والاحتفاظ بها .
والقسم الأول يدخل في دائرة اختيار الإنسان : والآية الشريفة : « وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلّا ما سَعى » « 2 » ناظرة إلى هذا المعنى ، ولكن القسم الآخر يدخل في دائرة القضاء والقدر الحتميين ، وهو خارج عن دائرة اختيار الإنسان .
هامش
( 1 ) . « درك » وردت هذه الكلمة في أكثر نسخ نهجالبلاغة « دَرَك » على وزن « سَنَد » ولكن وردت في بعض النسخ « دَرْك » على وزن « عَدْل » وكليهما يقصد بهما معنى واحد وهو تحصيل الشيء ونيل المراد .
( 2 ) . سورة النجم ، الآية 39 .