والواقع أنّ الإمام عليه السلام يشير إلى هذه الحقيقة الحاسمة ، وهي أنّ الكثير من الأمور التي توجب السرور والفرح للإنسان هي من القسم الثاني ، وعلى أيّة حال ، فالإنسان يحصل عليها وفقاً لما قدّر له في دائرة القضاء والقدر الإلهيين ، وعلى هذا الأساس فالفرح والحرص عليها لا مبرّر له ، كالشخص الذي يفرح بطلوع الشمس ، وفي النقطة المقابلة هناك أمور لا يحصل عليها الإنسان مهما بذل من جهد وسعي في سبيل ذلك ، فلو أنّ الشخص عاش الحزن والغمّ بسبب ذلك فإنّ حزنه سيكون موهوماً ولا مبرّر له ، كالشخص الذي يحزن لغروب الشمس واختفائها في الأفق .
والمواهب الماديّة أعمّ من الأموال ، والثروات ، والمقامات والمناصب ، والنجاحات والإخفاقات ، فقدان بعض الإمكانات والحصول عليها ؛ هي من هذا القبيل غالباً ، فلا يكون نيلها والحصول عليها اختيارياً ولا فقدانه وزوالها ، ومن هنا لا ينبغي أن يكون الحصول عليها سبباً للفرح والسرور ولا فقدانها سبباً للتأسّف والحزن .
عندما ننظر إلى الحياة الدنيا بهذا المنظار ونرى النجاحات والإخفاقات من هذه الزاوية ، فسوف لا تكون تلك النجاحات موجبة للفرح والسرور ، ولا تكون الإخفاقات والفشل مصدراً للحزن والهمّ .
ثمّ يستمرّ الإمام عليه السلام في بيان هذه الحقيقة ويقول : « فَلْيَكُنْ سُرُورُكَ بِمَا نِلْتَ مِنْ آخِرَتِكَ ، وَلْيَكُنْ أَسَفُكَ عَلَى مَا فَاتَكَ مِنْهَا » .
والدليل على ذلك واضح ، فالمواهب المادية ، الاختيارية منها أم غير الاختيارية ، تسير بسرعة نحو الزوال والفناء ، ولا يمكن الاعتماد عليها في زمان وجودها ، فهي معرّضة دوماً للآفات والنقصان وكذلك الحرمان منها معرّض للانتهاء وسرعة الزوال ، فما يبقى للإنسان في واقع الحياة هو المواهب الأخروية والمعنوية ، فلذلك ينبغي أن يتأسّف على فقدانها ويحرص على نيلها واكتسابها .
ويقول الإمام عليه السلام في ختام هذا الكلام وكنيتجة جليّة لما تقدّم : « وَمَا نِلْتَ مِنْ
نفحات الولاية — صفحة 236
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٢٣٦