ويقرّر الإمام عليه السلام هذا المعنى في كلماته القصار ، في إشارة إلى أصل كلّي حيث يقول : « عاتِبْ أخاكَ بِالْإِحْسانِ إِلَيْهِ وَارْدُدْ شَرَّهُ بِالْإِنْعامِ عَلَيْهِ » « 1 » .
ثمّ يدخل الإمام عليه السلام بعد ذكر هذه المقدّمة إلى أصل المطلب ويقول : « وَقَدْ بَلَغَنِي تَنَمُّرُكَ « 2 » لِبَنِي تَمِيمٍ ، وَغِلْظَتُك عَلَيْهِمْ » .
ثم يذكر الإمام عليه السلام بعض الصفات والخصال لقبيلة بني تميم تدلّ لياقتهم للعفو والصفح والاحترام .
يقول الإمام في بيان الصفة الأولى منهم : « وَإِنَّ بَنِي تَمِيمٍ لَمْ يَغِبْ لَهُمْ نَجْمٌ إِلَّا طَلَعَ لَهُمْ آخَرُ » .
والتعبير بالنجم إشارة إلى أنّهم يتمتّعون دوماً بوجود شخصيات كبيرة وجديرة بالاحترام بحيث إنّه لو مات أحد فسيحلّ نجم آخر محلّه ، ولهذا تتوفّر في القبائل العربية دوماً رجال مدراء ومفكرون .
وفي الخصلة الثانية يشير الإمام عليه السلام إلى شجاعتهم ويقول : « وَإِنَّهُمْ لَمْ يُسْبَقُوا بِوَغْمٍ « 3 » فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ » .
ومع الالتفات إلى أنّ كلمة « وَغْم » تعني في اللغة الحرب ، وكذلك تعني الحقد والحسد ، فهذا الاحتمال الأخير وارد في تفسير الجملة المذكورة وأنّهم جماعة تستبطن الحقد ، ولو تصدّى لهم مَن يثير أمامهم الأذى والضرر فإنّهم يواجهونه بالمثل ويثيرون الفتنة حينئذٍ ، ولكن بالنظر إلى ما تقدّم من كلام الإمام عليه السلام في مدحهم فإنّ هذه التفسير بعيد عن سياقات الكلام .
وفي الخصلة الثالثة والأخيرة لهم يقول الإمام عليه السلام : « وَإِنَّ لَهُمْ بِنَا رَحِماً مَاسَّةً « 4 » ، وَقَرَابَةً خَاصَّةً ، نَحْنُ مَأْجُورُونَ عَلَى صِلَتِهَا ، وَمَأْزُورُونَ « 5 » عَلَى قَطِيعَتِهَا » .
هامش
( 1 ) . نهجالبلاغة ، الكلمات القصار ، 158 .
( 2 ) . « تنمّر » بمعنى الغضب الشديد وسوء المعاملة ، من مادة « نمر » على وزن « كبد » وهو الحيوان المعروف .
( 3 ) . « وغم » وهذه المفردة تأتي بمعنى الحرب وكذلك بمعنى الحقد .
( 4 ) . « ماسّة » بمعنى القريبة والحميمة من مادة « مسّ » وهو اتصال الأبدان .
( 5 ) . « مأزورون » بمعنى المذنبون من مادة « وزر » وهو الذنب .