بمائدة الطعام الغناء التي مُلئت بالأطعمة ذات القيمة القليلة أو العديمة القيمة من الناحية الغذائية ؛ ولكنّها زيّنت بالبهرجة والزخرف ، وقد اجتمع حولها طلّاب الدنيا متناسين أنّ أطعمتها إنّما تشبعهم لأمد قصير يتبعه جوع طويل .
ولعل هذا « الجوع الطويل » إشارة إلى الحزن والحسرة الأبدية التي تطال المتهافتين على الدنيا عند الموت وبعده وفي مشهد القيامة ، ومدى الأسى الذي يعتريهم على تقصيرهم في هذه الدنيا .
والواقع أنّ عبارة الإمام عليه السلام هذه العظيمة المعنى هي اقتباس من آيات القرآن الكريم ، فقد جاء في الآية 100 من سورة المائدة : « قُلْ لَّا يَسْتَوِى الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَك كَثْرَةُ الْخَبِيثِ » .
بالإضافة إلى الآيات التي تتحدّث عن الأكثريّة الجاهلة ، عديمة الإيمان ، غير العاقلة ، الفاسقة ، الجاحدة وأمثال ذلك .
ثم ذكر الأمر الثاني ؛ الأمر الذي من شأنه حلّ الكثير من المسائل العقائدية والاجتماعية تكمن في أنّ الذي يميز الجماعات البشريّة ، الاتجاهات الفكرية ونوازع القلوب ، وإن كانوا أفراداً معينين في ظرف معين ؛ حيث ينضوي معهم كلّ من تضامن معهم فكرياً وارتضاهم قلبياً .
قال : « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّمَا يَجْمَعُ النَّاسَ الرِّضَى وَالسُّخْطُ « 1 » » .
وعليه فليس سبب الاشتراك في النتيجة مجرّد الاشتراك في العمل أو إعداد مقدّماته والإعانة على الإثم فحسب ؛ بل يترتب هذا الاشتراك على الرضى القلبي ، ومن هنا وردت صراحة هذه العبارة في الزيارة : « وَلَعَنَ اللَّه امَّةً سَمِعَتْ بِذلِك فَرَضِيَتْ بِهِ » « 2 » .
وقد مرّ علينا في الخطبة الثانية عشرة التي مضى شرحها في الجزء الأوّل أنّ
هامش
( 1 ) . « السخط » ضدّ الرضا بمعنى الغضب .
( 2 ) . زيارة الأربعين للإمام الحسين عليه السلام .