وَعَذْبِهَا « 1 » ، وَحَزْنِ « 2 » تُرْبَةٍ وَسَهْلِهَا « 3 » ، فَهُمْ عَلَى حَسَبِ قُرْبِ أَرْضِهِمْ يَتَقَارَبُونَ ، وَعَلَى قَدْرِ اخْتِلَافِهَا يَتَفَاوَتُونَ » .
وعلى ضوء هذا الكلام فإنّ هذه الاختلافات ناشئة من تباين مواد الأرض المختلفة ، وبالنظر إلى اختلاف بقاع الأرض والمواد التي تتركب منها واختلاف تركب الناس من تلك المواد ، والتأثير لاختلاف تلك المواد على اختلاف روحياتهم وأفكارهم وأخلاقهم كان هناك اختلافات بين الناس . وهنا يرد سؤالان : الأوّل : إنّ أبانا آدم عليه السلام خلق من التراب وولد الناس لاحقاً من نطفة آدم وأولاده ، وليس من التراب .
والآخر : ألا يقوي هذا الكلام مذهب الجبر الذي يرغم أنّ كلّ إنسان مجبر على الأفعال ولا يمكن تغيير ذلك ؟ ونترك الإجابة عن السؤال الثاني لمبحث التأملات في آخر الخطبة . وهناك سبيلان للإجابة عن السؤال الأوّل :
الأوّل : إنّ الناس وإن ولدوا بعد آدم من نطفته ؛ إلّاأنّ النطفة تتركب من مواد مختلفة تعود الجوانب الرئيسية فيها للأرض وتتغذى في رعرعتها على غذاء الام لتبلغ مرحلة الكمال حتى تلد ، وغذاء الام مهما كان يتألف من مواد الأرض ، فالنباتات تخرج من الأرض والحيوانات تتناول النباتات وعليه فنمو الجنين منذ كونه نطفة حتى تحوله إلى الكمال يستند جميعاً إلى مواد الأرض .
وربّما يتضح الموضوع أكثر بهذا المثال وهو أنّ الأشجار المثمرة التي تنمو في أراضٍ مختلفة وكذلك الحيوانات وبذور الأطعمة مختلفة تماماً ؛ مثلًا ، العنب الذي ينمو في بقعة أحلى وألطف من الآخر في بقعة أخرى وهكذا سائر الثمار ، والناس كذلك ، وحيث إنّ رابطة الجسم والروح بالنسبة لبعضها قريبة جدّاً فإنّ تفاوت هذه
هامش
( 1 ) . « عذب » الحلو .
( 2 ) . « حزن » إن استعملت في الأرض عنت المتموجة و « حزن » تعني الغم من هذه المادة .
( 3 ) . « سهل » إن استعملت عنت المستوية المنبسطة ومنه أيضاً السهل أي البسيط .