عقيل ظاهراً كان مكفوفاً آنذاك ومدّ يده علّه يحصل على درهم أو دينار ولم يكن يعلم ما الذي ينتظره فلما شعر بالحرارة تقترب من يده : « فَضَجَّ ضَجِيجَ ذِي دَنَف « 1 » مِنْ أَلَمِهَا ، وَكادَ أَنْ يَحْتَرِقَ مِنْ مِيْسَمِهَا « 2 » » .
ثم قال الإمام عليه السلام مواصلًا كلامه : « فَقُلْتُ لَهُ : ثَكِلَتْك الثَّوَاكِلُ « 3 » ، يَا عَقِيلُ ! أَتَئِنُّ مِنْ حَدِيدَة أَحْمَاهَا إِنْسَانُهَا « 4 » لِلَعِبِهِ ، وَتَجُرُّنِي إِلَى نَا سَجَرَهَا « 5 » جَبَّارُهَا لِغَضَبِهِ ! أتَئِنُّ « 6 » مِنَ الأَذَى وَلَا أَئِنُّ مِنْ لَظىً ؟ ! « 7 » » .
« ثواكل » جمع « ثاكلة » الام التي مات ولدها وإن اطلق على كلّ أم في عزاء .
التعبير باللعب إشارة إلى أنّ نار الدنيا مهما كانت محرقة إلّاأنّها ليست أكثر من لعبة إزاء نار الآخرة فالنار الحقيقية هناك ، لذلك عبّر الإمام عليه السلام عن الأولى ب « أذى » والثانية « لظى » .
يستفاد ضمنياً من تعبيرات الإمام عليه السلام خلافاً لما يظنه بعض الجهّال ، فإنّ الإمام عليه السلام لم يضع قط حديدة محماة في يد عقيل ، بل قربها من يده وحيث كان أعمى خاف وصرخ .
انتشرت هذه القصّة في جميع الأوساط حتى وصلت إلى معاوية حسب بعض الروايات فأيقظت العديد من الغافلين وأفادت نهاية الكرم العثماني من بيت المال على القرابة والأفراد المقربين . فإذا كانت هذه معاملة الإمام لأخيه إزاء طلب صغير على خلاف العدالة فما بال الآخرين ، فما عليهم سوى عدم التفكير بأي امتياز .
وتطلق هذه المفردة أحياناً على جهنم كما ورد في الآية 15 من سورة المعارج :
« كَلَّا انَّهَا لَظَى » .
بعبارة أخرى أنّ ذلك لم يكن درساً لعقيل فحسب ، بل لعامة الناس في العالم
هامش
( 1 ) . « دنف » السقم الشديد .
( 2 ) . « ميسم » اسم آلة من مادة « وسم » الحرارة الشديدة ؛ ولكن يبدو أنّها وردت هنا بصيغة المصدر بمعنى الحرارة .
( 3 ) . « ثواكل » جمع « ثاكلة » الام في عزاء ابنها وتستعمل أحياناً المرأة المعزاة .
( 4 ) . « إنسانها » هنا بمعنى : صاحبها .
( 5 ) . « سجرها » من « السجور » تعني في الأصل اشعال نار التنور ثم أطلقت على كلّ اشعال .
( 6 ) . « تئن » من مادة « انن » الأنين والتألم .
( 7 ) . « لظى » شعلة النار الخالصة والتي تكون شديدة الحرارة .