القسم الثاني
وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ عَقِيلًا وَقَدْ أَمْلَقَ حَتَّى اسْتَمَاحَنِي مِنْ بُرِّكُمْ صَاعاً ، وَرَأَيْتُ صِبْيَانَهُ شُعْثَ الشُّعُورِ ، غُبْرَ الأَلْوَانِ مِنْ فَقْرِهِمْ ، كَأَنَّما سُوِّدَتْ وُجُوهُهُمْ بِالْعِظْلِمِ ، وَعَاوَدَنِي مُؤَكِّداً ، وَكَرَّرَ عَلَيَّ الْقَوْلَ مُرَدِّداً ، فَأَصْغَيْتُ إِلَيْهِ سَمْعِي ، فَظَنَّ أَنِّي أَبِيعُهُ دِينِي ، وَأَتَّبِعُ قِيَادَهُ مُفَارِقاً طَرِيقَتِي ، فَأَحْمَيْتُ لَهُ حَدِيدَةً ، ثُمَّ أَدْنَيْتُهَا مِنْ جِسْمِهِ لِيَعْتَبِرَ بِهَا ، فَضَجَّ ضَجِيجَ ذِي دَنَف مِنْ أَلَمِهَا ، وَكادَ أَنْ يَحْتَرِقَ مِنْ مِيْسَمِهَا ، فَقُلْتُ لَهُ : ثَكِلَتْك الثَّوَاكِلُ ، يَا عَقِيلُ ! أَتَئِنُّ مِنْ حَدِيدَةٍ أَحْمَاهَا إِنْسَانُهَا لِلَعِبِهِ ، وَتَجُرُّنِي إِلَى نَارٍ سَجَرَهَا جَبَّارُهَا لِغَضَبِهِ ! أتَئِنُّ مِنَ الأَذَى وَلَا أَئِنُّ مِنْ لَظىً ؟ !
الشرح والتفسير : قصة الحديدة المحماة
كان للإمام عليه السلام في القسم السابق بحث كلّي بشأن اجتناب الظلم والجور التي تشير إلى ذروة السلامة من الظلم والجور ، وقد ركز هنا على مصداقين واضحين كشاهدي صدق على ما ذكر . فبيّن أوّلًا قصة عقيل والحديدة المحماة فشرح نموذجاً من عدله الذي ليس له مثيل ربّما في تاريخ العالم فقال : « وَاللَّه لَقَدْ رَأَيْتُ عَقِيلًا وَقَدْ أَمْلَقَ « 1 » حَتَّى اسْتَمَاحَنِي « 2 » مِنْ بُرِّكُمْ « 3 » صَاعاً « 4 » » .
هامش
( 1 ) . « امْلَق » من « الإملاق » بمعنى الفقر ومادته الأصلية « مَلَق » على وزن « شفق » النعومة ويقال الفرد المتملق كونه يتخذ حالة الذلة والنعومة واستعملت بحق الفقير لهذه الحالة .
( 2 ) . « استماحني » من « الاستماحة » الاستعطاء .
( 3 ) . « البُرّ » القمح .
( 4 ) . « صاع » أحد الأوزان وهو أربعة امداد وكل مد أقل من نصف كيلو ، سبعمائة وخمسون غراماً تقريباً .