تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 247

مساهمون:

ص٢٤٧
أفْضَعُ مِنْهُ » « 1 » . ثم سعى الإمام عليه السلام ليكشف لمخاطبيه أوضاعهم في القبور بعبارات حيّة فقال : « فَلَوْ مَثَّلْتَهُمْ بِعَقْلِك ، أَوْ كُشِفَ عَنْهُمْ مَحْجُوبُ الْغِطَاءِ لَك ، وَقَدِ ارْتَسَخَتْ « 2 » أَسْمَاعُهُمْ بِالْهَوَامِّ « 3 » فَاسْتَكَّتْ « 4 » ، وَاكْتَحَلَتْ أَبْصَارُهُمْ بِالتُّرَابِ فَخَسَفَتْ ، وَتَقَطَّعَتِ الأَلْسِنَةُ فِي أَفْوَاهِهِمْ بَعْدَ ذَلَاقَتِهَا « 5 » ، وَهَمَدَتِ « 6 » الْقُلُوبُ فِي صُدُورِهِمْ بَعْدَ يَقَظَتِهَا ، وَعَاثَ « 7 » فِي كُلِّ جَارِحَةٍ مِنْهُمْ جَدِيدُ بِلىً « 8 » سَمَّجَهَا « 9 » وَسَهَّلَ طُرُقَ الْافَةِ إِلَيْهَا ، مُسْتَسْلِمَاتٍ فَلَا أَيْدٍ تَدْفَعُ ، وَلَا قُلُوبٌ تَجْزَعُ ، لَرَأَيْتَ أَشْجَانَ « 10 » قُلُوبٍ ، وَأَقْذَاءَ « 11 » عُيُونٍ » . صحيح بقبض الروح يتوقف كلّ شي ؛ لكنه ما دام سالماً فإنّ له القابلية لاستعادة نشاطه لو فرض عودة الروح إليه ؛ ولكن يفقد كلّ شيء بعد تعفّنه وتلاشيه ، ولذلك صرّح الإمام عليه السلام : توقف الحشرات أسماعهم عن العمل والتراب أبصارهم وألسنتهم عن النظر والنطق . ثم أكمل كلامه بعبارة بصيغة خلاصة فقال : « لَهُمْ فِي كُلِّ فَظَاعَةٍ صِفَةُ حَالٍ لَا تَنْتَقِلُ ، وَغَمْرَةٌ « 12 » لَا تَنْجَلِي » .
هامش
( 1 ) . سنن الترمذي ، ج 3 ، ص 379 ؛ ميزان الحكمة ، مادة « قبر » ، ح 16251 . ( 2 ) . « ارتسخت » من « الارتساخ » المبالغة في الرسخ ومن « الرسوخ » النفوذ . ( 3 ) . « هوام » جمع « هامة » الحشرات السامّة ؛ كالحية وتطلق على كلّ نوع حشرة . ( 4 ) . « استكت » من مادة « سك » على وزن « حك » بمعنى صمت . ( 5 ) . « الذلاقة » الحدة ؛ ثم استعملت بمعنى اللسان وسرعة النطق ويقال : خطيب ذلق للمتكلم الفصيح والبليغ . ( 6 ) . « همدت » من « الهمود » على وزن « سجود » تعني في الأصل انطفاء النار . ثم استعملت بمعنى السكوت والسكون والتوقف عن العمل . ( 7 ) . « عاث » من مادة « عيث » على وزن « حيف » أفسد كما ورد بمعنى التبذير والمعنى الأوّل هو المراد في العبارة . ( 8 ) . « جديد بلى » هنالك نوع من صناعة البديع في العبارة من خلال كلمة جديد والتي تقابل البالي بصيغة مضاف‌ومضاف إليه ومعناه الفساد الجديد . ( 9 ) . « سمّج » من « السماجة » القبيح والمنفر و « سمج » على وزن « خشن » تطلق على من ينشد شيئاً بطريقة قبيحة . ( 10 ) . « أشجان » جمع « شجن » على وزن « كفن » الهموم . ( 11 ) . « اقذاء » جمع « قذى » على وزن « سجى » ما يسقط قي العيون ويؤذيها من أجسام صغيرة والتي تظهر كلّ ساعة على جسد الميت . ( 12 ) . « غمرة » تعني في الأصل الماء الجارف الذي يغطي الأشياء ثم اطلق على كلّ أمر شديد .
نفحات الولاية — صفحة 247 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي