بالطرق العادية ( كالبصر والسمع ) ، بل بطرق أعمق وأقوى من خلال بصيرة القلب وسمع العقل ، كما أنّ تكلّمهم ليس بلسان القال ، بل بلسان الحال الأعمق آثاراً ، فلسان القال قد يشوبه الكذب الذي لا مجال له للسان الحال .
ولنرى الآن ما يقولون بهذا اللسان ؟ يشير الإمام عليه السلام إلى طبيعة كلامهم : « فَقَالُوا :
كَلَحَتِ « 1 » الْوُجُوهُ النَّواضِرُ « 2 » ، وَخَوَتِ « 3 » الأَجْسَامُ النَّوَاعِمُ ، وَلَبِسْنَا أَهْدَامَ « 4 » الْبِلَى ، وَتَكَاءَدَنَا « 5 » ضِيقُ الْمَضْجَعِ ، وَتَوَارَثْنَا الْوَحْشَةَ ، وَتَهَكَّمَتْ « 6 » عَلَيْنَا الرُّبُوعُ الصُّمُوتُ « 7 » » .
نعم ! يتحدثون أحياناً عن مصير أبدانهم وأخرى عن مواضعهم . الأبدان الذابلة بداية ، الوجوه العابسة ، ومن ثم تحلّلها ، وبالتالي تفسّخها واستحالتها إلى تراب ، القبور الضيقة والمظلمة والباردة الساكنة وقد سيطرت عليهم أجواء الرعب فسادهم الصمت التام .
ثم قال : « فَانْمَحَتْ مَحَاسِنُ أَجْسَادِنَا ، وَتَنَكَّرَتْ مَعَارِفُ صُوَرِنَا ، وَطَالَتْ فِي مَسَاكِنِ الْوَحْشَةِ إِقَامَتُنَا ؛ وَلَمْ نَجِدْ مِنْ كَرْبٍ فَرَجاً ، وَلَا مِنْ ضِيقٍ مُتَّسَعاً ! » .
نعم ! فالوجوه النظرة الجميلة والمعروفة والمساكن الواسعة والفارهة التي قلبت رأساً على عقب بحلول الموت ، فتبدلت تلك المنازل الجميلة الفارهة إلى قبور مقفرة مظلمة ، وتلك الوجوه الناعمة لم تفقد نضارتها وحيويتها فحسب ؛ بل تحولت إلى أشباح موحشة .
ومن هنا قال النّبي الأكرم صلى الله عليه وآله في كلمة موجزة موقظة : « ما رَأَيْتُ مَنْظَراً إلّاوَالْقَبرُ
هامش
( 1 ) . « كلحت » من « الكلوح » على وزن « طلوع » الوجه العابس والمقطب .
( 2 ) . « نواضر » من « نضرة » على وزن « دفعة » الحسنة الباسمة المتفتحة .
( 3 ) . « خوت » من « خواء » بمعنى تهدمت وتلاشت .
( 4 ) . « اهدام » جمع « هدم » على وزن « حرص » الثوب البالي والمرقع .
( 5 ) . « تكاؤدنا » من « التكاؤد » المشقة ومادته « كأد » على وزن « رعد » .
( 6 ) . « تهكمت » من « التهكّم » السقوط في بئر وما شابه ذلك أو التهدم .
( 7 ) . « الصموت » السكوت وفي العبارة مصدر له معنى وصفي .