وأضاف : « وَلَانْ يَكُونُوا عِبَراً ، أَحَقُّ مِنْ أَنْ يَكُونُوا مُفْتَخَراً ؛ وَلَانْ يَهْبِطُوا بِهِمْ جَنَابَ « 1 » ذِلَّةِ ، أَحْجَى « 2 » مِنْ أَنْ يَقُومُوا بِهِمْ مَقَامَ عِزَّةٍ ! » .
فقد أكد الإمام عليه السلام في هذه العبارات على هذه النقطة أنّ نظرة هؤلاء للأموات مقلوبة تماماً وقد أخطأوا في مسارهم حتى عاد القبيح لديهم حسناً ، فعلى هؤلاء أن ينظروا إلى الأموات بعين الاعتبار ؛ ويشاهدوا أوضاع أخيارهم تحت التراب ويتأملوا مصيرهم على ضوء قانون الموت الذي لا استثناء فيه قط .
ورد في الخبر أنّه لما سار علي عليه السلام بصحبة إلى صفين بلغ ساباط المدائن وأطرافه ( الموضع الذي كان يوماً مركز أقوى الحكومات ولكن انتهى فيه كلّ شيء ) .
فالتفت أحد أصحابه إلى آثار كسرى فأنشد قائلًا :
جَرَتِ الرِّياحُ عَلى مَكانِ دِيارِهِمْ * فَكأنَّهُمْ كانُوا عَلى ميعادِ
ولم يكتف الإمام عليه السلام بهذا المقدار فقال هلّا قرأت هذه الآيات : « كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذلِك وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ « 3 » » « 4 » .
وخاض الإمام عليه السلام مواصلًا كلامه في بيان هذا الموضوع ، لم هذا الفخر على الآخرين بهذه الأجساد الميتة الخاوية بدل الاعتبار « لَقَدْ نَظَرُوا إِلَيْهِمْ بِأَبْصَارِ الْعَشْوَةِ ، وَضَرَبُوا مِنْهُمْ فِي غَمْرَةِ جَهَالَةٍ » .
ثم قال : « وَلَوِ اسْتَنْطَقُوا عَنْهُمْ عَرَصَاتِ تِلْك الدِّيَارِ الْخَاوِيَةِ ، وَالرُّبُوعِ « 5 » الْخَالِيَةِ ، لَقَالَتْ : ذَهَبُوا فِي الأَرْضِ ضُلَّالًا « 6 » ، وَذَهَبْتُمْ فِي أَعْقَابِهِمْ جُهَّالًا ، تَطَؤُونَ فِي
هامش
( 1 ) . « جناب » من مادة « جَنْب » الضلع واستعملت بمعنى الجانب والناحية والطرف وجناب ذلّة في العبارة بهذا المعنى .
( 2 ) . « أحجى » من « حِجا » على وزن « رضا » العقل ، وأحجى أعقل .
( 3 ) . سورة الدخان ، الآيات 25 - 28 .
( 4 ) . بحار الأنوار ، ج 68 ، ص 327 .
( 5 ) . « ربوع » جمع « ربع » على وزن « رفع » البيت والمسكن .
( 6 ) . « ضلال » جمع « ضال » .