كما سجد الشعراء في مواضع الشعر .
وأضاف : وإنّي لُاطيل التعجب من رجل يخطب في الحرب بكلام يدل على أنّ طبعه مناسب لطباع الأسود ، ثمّ يخطب في ذلك الموقف بعينه إذا أراد الموعظة بكلام يدل على أنّ طبعه مشاكِل لطباع الرهبان لابسي المسوح الذين لم يأكلوا لحماً ولم يريقوا دماً فيكون كالمسيح في زهده . وأقسم لقد قرأت هذه الخطبة منذ خمسين سنة وإلى الآن أكثر من ألف مرّة ما قرأتها قط إلّاوأحدثت عندي روعة وخوفاً وعظة وأثرت في قلبي وجيباً وفي أعضائي رعدة وكم قال الواعظون والخطباء في هذا المعنى وكم وقفت على ما قالوه وتكرر وقوفي عليه فلم أجد لشيء منه مثل تأثير هذا الكلام « 1 » .
واستناداً لما قيل يجدر بنا أن نتوقف عند شرحنا لهذه الخطبة على عمق كلام الإمام عليه السلام فنستفيد منها بما فيه الكفاية ونلمس آثارها في أنفسنا وأرواحنا .
وكما ورد في عنوان الخطبة فإنّ هذا الكلام في الواقع تفسير لأول آيتين من سورة التكاثر « أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ » .
ونلقي بادئ الأمر نظرة إجمالية على تفسير الآيتين :
ذكر المفسّرون المعروفون تفسيرين لهما :
الف ) المراد أنّ تكاثركم أنساكم اللَّه والقيامة حتى خرجتم من الدنيا وحللتم القبور .
ب ) المراد أنّ تكاثركم وتفاخركم أنساكم اللَّه والقيامة حتى زرتم المقابر لإثبات أفضليتكم فعددتم قبور موتاكم فخراً على من سواكم .
طبعاً الأصح التفسير الثاني ، لأنّه : أوّلا زيارة القبور مستبعدة جدّاً بمعنى الدفن في القبور وثانياً ، لو كان التفسير الأوّل صحيح فلابدّ من القول : « تزوروا القبور » أي يكون الفعل بصيغة المضارع لا الماضي ، لأنّ المخاطبين أحياء .
هامش
( 1 ) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ، ج 11 ، ص 152 فصاعداً ( بتلخيص ) .