القسم الأوّل
يَا لَهُ مَرَاماً مَا أَبْعَدَهُ ! وَزَوْراً مَا أَغْفَلَهُ ! وَخَطَراً مَا أَفْظَعَهُ ! لَقَدِ اسْتَخْلَوْا مِنْهُمْ أَيَّ مُدَّكِر ، وَتَنَاوَشُوهُمْ مِنْ مَكَان بَعِيد ! أَفَبِمَصَارِعِ آبَائِهِمْ يَفْخَرُونَ ! أَمْ بِعَدِيدِ الْهَلْكَى يَتَكَاثَرُونَ ! يَرْتَجِعُونَ مِنْهُمْ أَجْسَاداً خَوَتْ ، وَحَرَكَاتٍ سَكَنَتْ وَلَانْ يَكُونُوا عِبَراً ، أَحَقُّ مِنْ أَنْ يَكُونُوا مُفْتَخَراً ؛ وَلَانْ يَهْبِطُوا بِهِمْ جَنَابَ ذِلَّةٍ ، أَحْجَى مِنْ أَنْ يَقُومُوا بِهِمْ مَقَامَ عِزَّةٍ ! لَقَدْ نَظَرُوا إِلَيْهِمْ بِأَبْصَارِ الْعَشْوَةِ ، وَضَرَبُوا مِنْهُمْ فِي غَمْرَةِ جَهَالَةٍ ، وَلَوِ اسْتَنْطَقُوا عَنْهُمْ عَرَصَاتِ تِلْك الدِّيَارِ الْخَاوِيَةِ ، وَالرُّبُوعِ الْخَالِيَةِ ، لَقَالَتْ : ذَهَبُوا فِي الأَرْضِ ضُلَّالًا ، وَذَهَبْتُمْ فِي أَعْقَابِهِمْ جُهَّالًا ، تَطَؤُونَ فِي هَامِهِمْ ، وَتَسْتَنْبِتُونَ فِي أَجْسَادِهِمْ ، وَتَرْتَعُونَ فِيمَا لَفَظُوا ، وَتَسْكُنُونَ فِيمَا خَرَّبُوا ؛ وَإِنَّمَا الأَيَّامُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ بَوَاكٍ وَنَوَائِحُ عَلَيْكُمْ .
الشرح والتفسير : التفاخر الفارغ بدل الاعتبار !
كما مضى فإنّ هذه الخطبة إحدى خطب أمير المؤمنين علي عليه السلام الجامعة الشاملة والمؤثرة .
وقد أشاد ابن أبي الحديد إشادة عجيبة بهذه الخطبة وعدّها فريدة من حيث الفصاحة والبلاغة وقال : ومن تأمّل هذا الفصل علم صدق معاوية في علي عليه السلام :
« وَاللَّه ما سَنَّ الْفَصاحَةَ لِقُريشٍ غَيْرُه » .
ثم قال : وينبغي لو اجتمع فصحاء العرب في مجلس وتلي عليهم ، أن يسجدوا له