يدور كلام الإمام عليه السلام في هذه الخطبة حول المحور الثاني وهذا دليل واضح على ترجيح هذا التفسير .
فقال الإمام عليه السلام : « يَا لَهُ مَرَاماً « 1 » مَا أَبْعَدَهُ ! وَزَوْراً « 2 » مَا أَغْفَلَهُ ! وَخَطَراً « 3 » مَا أَفْظَعَهُ ! « 4 » » .
نعم ، فالعظام البالية تحت التراب والأجساد المتفسخة ليس فيها ما يدعو للفخر ، فما أحراهم بالاعتبار بدل هذا الافتخار وهم يرون بأم أعينهم أنّهم سيحملون ليوسدوا هذا التراب وينقطعوا عن الأهل والقرابة فيفيقون من هذا السبات العميق والنوم الوبيل . ومن هنا قال الإمام عليه السلام مواصلًا كلامه : « لَقَدِ اسْتَخْلَوْا « 5 » مِنْهُمْ أَيَّ مُدَّكِر ، وَتَنَاوَشُوهُمْ « 6 » مِنْ مَكَان بَعِيد ! » .
فسّر بعض الشرّاح العبارة « لَقَدِ اسْتَخْلَوْا » : « أنّهم سيذكروا من مات منذ مدّة وأصبح تراباً ففي التفسير الأوّل « استَخْلَوْا » وجدوهم خالين وفي التفسير الثاني بمعنى ذكر الأموات .
ثم وبّخهم توبيخاً شديداً وذمهم فقال : « أَفَبِمَصَارِعِ آبَائِهِمْ يَفْخَرُونَ ! أَمْ بِعَدِيدِ الْهَلْكَى يَتَكَاثَرُونَ ! » .
ترى مامدى جهل الإنسان الذي يريد أن يفخر بتلك العظام النخرة ويجعل أمواته في عداد الأحياء ويعدّهم من الأدلة على كثرته . ثم قال : « يَرْتَجِعُونَ مِنْهُمْ أَجْسَاداً خَوَتْ « 7 » ، وَحَرَكَات سَكَنَتْ » .
هامش
( 1 ) . « المرام » بمعنى الهدف والمطلوب ومن مادة « روم » على وزن « قوم » بمعنى الطلب والقصد .
( 2 ) . « الزور » بمعنى الزائر ويطلق على المفرد والجمع .
( 3 ) . « الخطر » تعني أحياناً الأمر الخطير وأخرى الأمر المهم والمعنى الثاني هو المراد ؛ أيأنّ هؤلاء كانوا يرون كثرة قبور موتاهم مهمة والحال هذا فخر بغيض وموهوم .
( 4 ) . « أفظع » من مادة « فضاعة » بمعنى القبيح والبغيض .
( 5 ) . « استخلوا » من مادة « خلوّ » على وزن « غلوّ » بمعنى الخلو والمضي .
( 6 ) . « تناوشوا » من مادة « تناوش » ومن « نوش » على وزن « خوف » بمعنى تناول الشيء بسهولة أو بقوة والتناوش من مكان بعيد الأخذ عن بعد .
( 7 ) . « خوت » من مادة « خوى » على وزن « هوا » تعني في الأصل خلت وتعني أحياناً تهدمت وهذا هو المراد بها في العبارة المذكورة .