جَعَلَ سُبْحَانَهُ مِنْ حُقُوقِهِ حُقُوقاً افْتَرَضَهَا لِبَعْضِ النَّاسِ عَلَى بَعْض » .
جدير ذكره أنّ الإمام عليه السلام اعتبر حقّ الناس على بعضهم فرعاً من حقّ اللَّه على الناس وناشئ من حقوقه ، وبعبارة أخرى فإنّ حقّ اللَّه وحق الناس ليسا في عرض بعضهما ، بل في طول بعضهما .
ثم قال : « فَجَعَلَهَا تَتَكَافَأُ « 1 » فِي وُجُوهِهَا ، وَيُوجِبُ بَعْضُهَا بَعْضاً ، وَلَا يُسْتَوْجَبُ بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْض » .
بعبارة أخرى لا حقّ أحادي الجانب من هذه الحقوق ، بل هي ثنائية جميعاً كما ورد في القسم السابق ، فإن كان لأحد حقّ على الآخر كان هناك حق لذلك الآخر عليه ، وعليه فهذه الحقوق متساوية ومتلازمة ؛ ليس بمعنى إن لم يلتزم أحد بوظيفته كان على الآخر عدم الالتزام بها ؛ مثلًا ، لو لم يقم الولد بطاعة والده يتمرد الأب على تربيته وأداء نفقته ، أو إن لم تعمل طائفة من الرعية بوظيفتها يقطع الوالي عنها الخدمات ، بعبارة أخرى ، أنّ هذه من قبيل اللازم والملزوم في مقام الوجوب ، لا في مقام التحقق والعمل ؛ أيكلاهما واجب ، سواء عمل الطرف المقابل بوظيفته أم لا .
ولمزيد من الإيضاح إليك هذا المثل ، إن أدّت الرعية ما عليها من ضرائب وخراج سوف لن يتقاعس الوالي عن وظيفته في توفير الأمن لهم وتعليم وتربية أولادهم ومعالجة مرضاهم وجرحاهم ، لأنّ كلًا من هاتين الوظيفتين مستقلة وليست مشروطة بالأخرى في مقام العمل ، وإن تشابكتا كوجوبين في مقام التشريع .
وقال الإمام عليه السلام مواصلًا كلامه : « وَأَعْظَمُ مَا افْتَرَضَ سُبْحَانَهُ مِنْ تِلْك الْحُقوقِ حَقُّ الْوَالِي عَلَى الرَّعِيَّةِ « 2 » ، وَحَقُّ الرَّعِيَّةِ عَلَى الْوَالِي ، فَرِيضَةٌ فَرَضَهَا اللَّه سُبْحَانَهُ لِكُلٍّ عَلَى كُلٍّ » .
هامش
( 1 ) . « تتكافأ » يعنى تتساوى من مادة « كفؤ » على وزن « كفر » التساوي في المقام والمنزلة والقدر ، ثم أطلقت علىكلّ شبيه ومثيل .
( 2 ) . « رعيّة » من مادة « رعى » على وزن « سعى » بمعنى الحفظ والمراقبة والمراعاة . ومنه « الراعي » لأنّه يحفظالماشية ويقال للحاكم « راعي » لأنّه يرعى الناس ويطلق على الناس « رعية » لأنّهم تحت رعاية وحفظ الحكومة .