تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
ثم خاض الإمام عليه السلام في فلسفة هذين الحقّين فقال : « فَجَعَلَهَا نِظَاماً لِالْفَتِهِمْ ، وَعِزًّا لِدِينِهِمْ ، فَلَيْسَتْ تَصْلُحُ الرَّعِيَّةُ إِلَّا بِصَلَاحِ الْوُلَاةِ ، وَلَا تَصْلُحُ الْوُلَاةُ إِلَّا بِاسْتِقَامَةِ الرَّعِيَّةِ » . فرعاية هذه الحقوق لها في الواقع آثار مادية مهمة ومعنوية فالعبارة « فَجَعَلَهَا نِظَاماً لِالْفَتِهِمْ » إشارة لآثارها المادية والظاهرية والعبارة « عِزّاً لِدِينِهم » لآثارها المعنوية والروحية ، وإلى هذه الحقيقة أشارت العبارتان بعدها إلى صلاح الرعية والوالي وفسادهما تداخلًا مع بعضهما ولكل منها أثره على الآخر ، فالوالي الفاسد يسوق الرعية إلى الفساد والرعية الصالحة تضطر الوالي لقبول الحق والعدل ، وإن صلحا معاً توفرت أفضل الظروف لرقي المجتمع وتطوره . ثم خاض في الآثار السلبيّة لتقاعس الطرفين في أداء الحقوق ، بعبارة أوضح وأبلغ عدّد هذه الآثار الواحد تلو الآخر فقال : « فَإِذَا أَدَّتِ الرَّعِيَّةُ إِلَى الْوَالِي حَقَّهُ ، وَأَدَّى الْوَالِي إِلَيْهَا حَقَّهَا عَزَّ الْحَقُّ بَيْنَهُمْ ، وَقَامَتْ مَنَاهِجُ الدِّينِ ، وَاعْتَدَلَتْ مَعَالِمُ الْعَدْلِ ، وَجَرَتْ عَلَى أَذْلَالِهَا « 1 » السُّنَنُ ، فَصَلَحَ بِذلِك الزَّمَانُ ، وَطُمِعَ فِي بَقَاءِ الدَّوْلَةِ ، وَيَئِسَتْ مَطَامِعُ الأَعْدَاءِ » . فقد بيّن الإمام عليه السلام هنا سبعة آثار مهمّة لأداء الحقوق المتبادلة بين الوالي والرعية ؛ أولها : العزّة والاقتدار ، وثانيها : قيام مناهج الدين وضعف البدع ، وثالثها : ارتفاع راية العدل في البلاد الإسلاميّة ، ورابعها : إحياء السنّة ، وخامسها : كنتيجة لما سبق ، صلاح الوسط الاجتماعي ، وسادسها : الطمع في بقاء الحكومة ودوامها ، وسابعها : يأس الأعداء ، وقد اتضح هذا الأمر على عهد النّبي الأكرم صلى الله عليه وآله حيث كان أعظم مؤد لحقوق الأمّة وكانت أغلبيتها الساحقة تؤدي حق الطاعة فبدت واضحة تلك الآثار السبعة .
هامش
( 1 ) . « اذلال « جمع « ذلّ » على وزن « ظلّ » بمعنى جادة محكمة ومستقيمة وبسبب كثرة المرور عليه أصبحت‌قوية ، وأصل هذه الكلمة مأخوذة من « ذلّت » .