وأشار في بيانه للصفة الثانية إلى سمو مقام اللَّه عن الظلم ، وهو ذات الأمر الذي يفرزه العجز والجهل أو الحاجة .
ثم ركز عليه السلام على جانبين من جوانب عدله أحدهما في عدم التمييز والآخر العدل في القضاء والعقاب والثواب ، وعليه فالعبارات الثلاث
« وارْتَفَعَ عَنْ ظُلْمِ عِبَادِهِ » « وقَامَ بِالْقِسْطِ فِي خَلْقِهِ ، « وعَدَلَ عَلَيْهِمْ فِي حُكْمِهِ »
تشير جميعها إلى عدالة اللَّه ونفي الظلم عنه في مختلف الجوانب .
ثم تطرق عليه السلام إلى صفات أخرى من صفات الجمال والجلال فقال :
« مُسْتَشْهِدٌ بِحُدُوثِ الأَشْيَاءِ عَلَى أَزَلِيَّتِهِ ، وبِمَا وَسَمَهَا بِهِ مِنَ الْعَجْزِ عَلَى قُدْرَتِهِ ، وبِمَا اضْطَرَّهَا إِلَيْهِ مِنَ الْفَنَاءِ عَلَى دَوَامِهِ » .
فقد قال الإمام عليه السلام في العبارة الأولى : إنّ اللَّه قد جعل حدوث الأشياء دليل على أزليّته ، ذلك لأننا نرى في هذا العالم مجموعة من الموجودات تنتهي إلى علل سابقة بصيغة سلسلة من العلل والمعاليل ، فهل يمكن أن تستمر سلسلة العلل والمعاليل إلى مالانهاية ؟ وكل علّة معلولة لآخر وبعبارة أخرى هل نقبل تسلسل العلّة والمعلول إلى مالا نهاية ؟
الجواب عن هذا السؤال بالسلب قطعاً ، لأنّ مفهوم ذلك أنّ المالانهاية تتطلب التبدل إلى موجود غني ، أو بتعبير آخر تتبدل مالانهاية الصفر إلى عدد ، وعليه فإننا ندرك من حدوث الأشياء وجوداً أزلياً ووجوده من ذاته وهو واجب الوجود .
وأشار في العبارة الثانية إلى حقيقة هي أنّ في جبين كلّ موجود علامة على العجز ، فالأعمار والقدرات والاستعدادات كلّها محدودة ، وهذا العجز يكشف أنّ وراءها يد القدرة المطلقة التي أفاضت القدرة على كلّ شيء بالمقدار الذي تطلبته حكمته .
وجرى الحديث في العبارة الثالثة عن فناء الكائنات ، وهو الفناء الذي يسير طواعية وقد كمن لها الموت بالمرصاد شائت أم أبت ، ومن الواضح أنّ هذه الكائنات الفانيّة ليست خالقة لنفسها كما أنّ وجودها لا ينبع من ذاتها وإلّا لما آلت إلى الفناء ،
نفحات الولاية — صفحة 97
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٩٧