وعليه فهنالك قدرة تفوقها أزليّة وأبديّة والكلّ مستند في وجوده إلى الذات المقدّسة ، والذي نود بيانه هنا أنّه ما الفارق بين العبارة
« مُسْتَشْهِدٌ بِحُدُوثِ الأَشْيَاءِ عَلَى أَزَلِيَّتِهِ »
والعبارة السابقة
« الدَّالِّ عَلَى قِدَمِهِ بِحُدُوثِ خَلْقِهِ ؟ »
فهل العبارتان تفيدان اثبات أزلية اللَّه عن طريق حدوث الموجودات ؛ أي أنّها صفة وضحت بعبارتين أم أنّ لكلّ منهما مفهوماً مستقلًا ؟ طبعاً فصاحة وبلاغة الإمام عليه السلام تستلزم أن تختزن كلّ عبارة مفهوماً جديداً .
فلا يستبعد أن تكون العبارة السابقة إشارة إلى الدلالة التكوينيّة والعبارة الأخيرة إشارة إلى الدلالة التشريعيّة ، أي كما يدل حدوث الموجودات على أزليّة اللَّه بلسان التكوين ففي الآيات القرآنيّة وروايات المعصومين وردت مثل هذه الاستدلالات بعبارات مختلفة .
قال القرآن الكريم : « كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَان * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُوالْجَلَالِ وَالْاكْرَامِ » « 1 » .
وقال في موضع آخر : « أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيُ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ » « 2 » .
فالآية في الواقع إشارة لبرهان العلية الذي جاء في الفلسفة لاثبات وجود اللَّه وهو أنَّ العالم الذي نعيش فيه حادث لا شك ، فهل وجد هذا الحادث بدون علّة أم أنّه علّة لنفسه أم أنّه معلول لعلة أخرى معلولة لعلة أخرى أو مخلوق للَّهتعالى واجب الوجود ؟ الذي وجوده في ذراته ولا يبقى سوى الاحتمال الرابع بعد الالتفات إلى بطلان الاحتمالات الثلاثة الأولى .
ثم ذكر الإمام عليه السلام ثلاث صفات أخرى من صفات اللَّه تعالى فقال :
« وَاحِدٌ لَابِعَدَد ، ودَائِمٌ لَابِأَمَد ، وقَائِمٌ لَابِعَمَد » .
والمراد من الواحد العددي الأشياء التي لها شبيه ومثيل وثاني وثالث ولكن لم يوجد إلّا فرد منها ؛ كالشمس في المنظومة الشمسيّة فهي واحدة فقط لا غير ولكن لها ثان .
هامش
( 1 ) . سورة الرحمن ، الآيتان 26 و 27 .
( 2 ) . سورة طور ، الآية 35 .