وأخيراً اختتم الإمام عليه السلام هذا القسم ببيان ثلاث رذائل أخلاقيّة ذميمة للمنافقين فقال :
« انْ سَأَلُوا أَلْحَفُوا « 1 » ، وإِنْ عَذَلُوا « 2 » كَشَفُوا ، وإِنْ حَكَمُوا أَسْرَفُوا » .
إنّ حاجة الناس لبعضها البعض ممّا لا يمكن إنكاره وقد توجب هذه الحاجة أحياناً أن يلجأ أحد للآخر لمساعدته في حلّ مشكلته ، إلّاأنّ الإلحاح عمل قبيح ، فذلك الطرف المقابل ربّما لا يريد أو يتعذر عليه القيام بذلك العمل أو قبول ذلك الطلب فيشعر بحالة من الخجل والانزعاج من ذلك الإلحاح .
قال القرآن الكريم في بيان صفة المؤمن حين الحاجة : « لَايَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً » « 3 » إلّاأنّ المنافقين يريدون نيل أهدافهم وإن أخذ الطرف المقابل حياءً واضطر للعمل خلاف رغبته وميله ؛ وكذلك إن إرادوا نصح شخص وأمره بالمعروف كما يزعمون ذهبوا بماء وجهه وسط الآخرين ، بينما صرحت التعاليم الإسلاميّة بأنّ هذا العمل ينبغي أن يتمّ بمنتهى الدقّة واللطافة ؛ بما يحفظ ماء وجه المسلم ولا يكدره ويجعله يعيش حالة من الحزن والغم .
وتشير العبارة :
« وإِنْ حَكَمُوا أَسْرَفُوا »
إلى أنّ المنافقين إن بلغوا منصباً فإنّهم ليس فقط لا يؤدّون حقّ ذلك المنصب ، بل يسلكون طريق الاسراف فيغضبون اللَّه والناس لضمان مصالحهم اللامشروعة ، قال القرآن الكريم بشأن بعض المنافقين :
« وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَايُحِبُّ الْفَسَادَ » « 4 » .
ويحتمل أن يكون المراد من قوله
« إنْ حَكَمُوا »
أنّهم إن تصدّوا للحكم في مسألة معينة فإنّ حكمهم لا يستند إلى العدل قط وأنّهم ينتهكون حدود العدل والقسط ، ولا مانع من الجمع بين التفسيرين .
هامش
( 1 ) . « ألحفوا » من « الحاف » بمعنى الإصرار والإلحاح في الطلب .
( 2 ) . « عذلوا » من « عذل » على وزن « هزل » بمعنى لاموا .
( 3 ) . سورة البقرة ، الآية 273 .
( 4 ) . سورة البقرة ، الآية 205 . والتفسير فوق أحد تفاسير هذه الآية .