وكثيراً ما تلاحظ الشواهد الحيّة لهذه العبارات العميقة المعنى في كلام الإمام عليه السلام طيلة التاريخ ولا سيما القرون الإسلاميّة الأُولى ؛ ومن ذلك الحجج والذرائع لتنحية الإمام عليه السلام عن الخلافة ( كونه شاباً أو فيه دعابة ) وإحراق بيت الوحي بعد النّبي الأكرم صلى الله عليه وآله بذريعة المخالفة لإجماع المسلمين ( الإجماع الذي ليس له من وجود خارجي ) والمطالبة بدم عثمان ومن جانب أولئك الذين تلطخت أيديهم بدمه ، ورفع القرآن على أسنة الرماح حين الأشراف على الهزيمة وما شابه ذلك .
والطريف أنّهم يتشبثون أحياناً ببعض الأمور التي تثير الدهشة لدى كلّ إنسان مطلع ؛ مثلًا حين قيل لجيش معاوية إنّكم أنتم « الفئة الباغية » التي أخبر عنها رسول اللَّه صلى الله عليه وآله في حديثه المعروف بشأن عمار حين خاطبه قبل ثلاثين سنة وقال له :
« يا عَمّارُ تَقتُلُكَ الفِئةُ الباغيةِ »
فردّوا على ذلك : إنّ قاتل عمار هو علي ، لأنّه هو الذي أتى به ! ونحن لم نقتله « 1 » .
ثم أشار عليه السلام إلى حيلة أخرى من حيلهم في النفوذ إلى القلوب فقال :
« يَتَوَصَّلُونَ إِلَى الطَّمَعِ بِالْيَأَسِ لِيُقِيمُوا بِهِ أَسْوَاقَهُمْ ، ويُنْفِقُوا بِهِ أَعْلَاقَهُمْ « 2 » » .
فهم نفعيون مشبوهون رأس مالهم الكفر والنفاق والضلال وزبائنهم السذج من الأفراد وثمن هذه المعاملة فقدان الدين والإيمان ، على غرار بعض التجار الذين لا يهتمون للمشتري حين الشراء بغية استقطاب الآخرين لشراء بضائعهم على أساس أن :
« الإنْسانُ حَريصٌ عَلى ما مُنِعَ »
فيثيروا الرغبة لدى الطرف المقابل ليقبل على متاعهم الفاسد والتالف فيشتريه بأغلى الأثمان .
ثم قال عليه السلام :
« يَقُولُونَ فَيُشَبِّهُونَ ، ويَصِفُونَ فَيُمَوِّهُونَ « 3 » » .
نعم ! فهؤلاء دائماً ما يبدون النفاق والضلال بصيغة الحقّ ليقبله منهم الناس
هامش
( 1 ) . صحيح مسلم ، ج 8 ، ص 185 وسفينة البحار ، مادّة « عمر » وسائر مصادر الفريقين .
( 2 ) . « إعلاق » جمع « عِلْق » على وزن « حزب » الأشياء المحببة أو الشيء النفيس .
( 3 ) . « يمّوهون » من « تمويه » بمعنى تزيين الشيء للاضلال ومزج الحقّ بالباطل .