تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
بل قد لا تكتفون بذلك : « وَلَتَرَكْتُمْ أَمْوَالَكُمْ لَا حَارِسَ لَهَا وَلَا خَالِفَ « 1 » عَلَيْهَا ، وَلَهَمَّتْ كُلَّ امْرِىءٍ مِنْكُمْ نَفْسُهُ ، لَا يَلْتَفِتُ إِلَى غَيْرِهَا » . فهذه العبارات تجسد حال الشخص الذي يبتلى بمصائب عظمية بحيث ينسى كل شيء سوى إنقاذ نفسه ، فقد إتّجه صوب الصحراء ويتابع لطم وجهه ورأسه يسكب دموعه ويتعالى صراخه ، كما يسعى إلى التخلي عن أموال رغم مالها من أهمّية لديه ومدى الجهود التي بذلها من أجل الحفاظ عليها ، إلى جانب ذلك فهو لا يعير أهمّية لمن خلفه حتى أنّه لينسى أعزّته وبطانته . ويرى بعض شرّاح نهج البلاغة أنّ هذه العبارات ترتبط بأهوال يوم القيامة والتي وردت في مختلف الآيات القرآنية ، لكن بالنظر إلى ذيل الخطبة الذي يتحدث عن جرائم الحجاج وسبب الخطبة الذي يفيد ضعف أهل الكوفة في جهاد العدو ، فانّ المعنى المذكور يبدو بعيداً ، والظاهر أنّها ناظرة إلى سلطة بني أمية والجرائم المروعة التي إرتكبها الحجاج وأمثاله . ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه بالإشارة إلى المصدر الرئيسي الذي انبثقت منه هذه الحوادث : « وَلَكِنَّكُمْ نَسِيْتُمْ مَا ذُكّرْتُمْ ، وَأَمِنْتُمْ مَا حُذّرْتُمْ ، فَتَاهَ « 2 » عَنْكُمْ رَأْيُكُمْ ، وَتَشَتَّتَ عَلَيْكُمْ أَمْرُكُمْ » . لا ينبغي لكم أن تتصوروا أبداً بأنّ الحوادث الأليمة التي تنتظركم إنّما تأتيكم بغتة ، كلا ليس الأمر كذلك ، فقد حذرتكم مراراً ، وأدّيت لكم حق الوعظ والنصح ، وكشفت لكم المستور ، ثم أنذرتكم ، لكن للأسف لم تعيروا وعظي ونصحي آدانا صاغية ، فقد نسيتم كل ما ذكرته لكم وتجاهلتم كل الإرشاد ، ومن هنا لم تمارسوا ما ينبغي عليكم في موقعه وأوانه ولم تعدوا الخطط اللازمة للوقوف بوجه الأعداء فلم تكن نتيجة ذلك الذي لا مثيل له في التاريخ . ثم قال الإمام عليه السلام : « وَلَوَدِدْتُ أَنَّ اللَّهَ فَرَّقَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ، وَأَلْحَقْنِي بِمَنْ هُوَ أَحَقُّ بِي مِنْكُمْ » . إشارة إلى أنّه طالما تعذر إصلاحكم فيا ليتني فارقتكم ، وليت القدر الإلهي أذن بالتحاقي
هامش
( 1 ) « خالف » : من مادة « خلوف » من يخلف في الأهل والمال حين الخروج إلى السفر أو الحرب ، كما وردت‌بمعنى الفرد الكثير الخلاف ، إلّاأنّ المراد هنا هو المعنى الأول . ( 2 ) « تاه » : من مادة « تيه » الحيرة والقلق .