والعبارة هذه تذكّر بنصر المسلمين في بدر والأحزاب وأمثالهما .
ولعل الفارق بين العبارتين بلغ ما بلغ وطلع حيث طلع أنّ العبارة الثانية تخبر عن انتشار الإسلام والأولى عن منتهى منطقة نفوذ الإسلام ، كما يحتمل أن تكون العبارة الأولى إشارة إلى المناطق التي نفذ إليها الإسلام ، والعبارة الثانية إلى المناطق التي ذاع فيها صيت الإسلام وشع عليها بما يمهد السبيل أمامه وإن لم ينفذ إليها بعد ، أو أنّ العبارة الأولى إشارة إلى قوّة الإسلام وقدرته ، والثانية إلى سعة الإسلام وانتشاره .
ثم قال عليه السلام مؤكداً ذلك الكلام :
« وَنَحْنُ عَلَى مَوْعُودٍ مِنَ اللَّهِ ، وَاللَّهُ مُنْجِزٌ وَعْدَهُ ، وَنَاصِرٌ جُنْدَهُ »
، إشارة إلى الآية الشريفة : « هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ » « 1 » . والآية : « إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ » « 2 » .
نعم ، فقد وعدنا في ظل الإيمان بالنصر في الدنيا والآخرة وتشهد سائر الآيات القرآنية على هذا المعنى ، وما إن فرغ الإمام عليه السلام من بيان هذه المقدمة بهدف الاستقرار الروحي للخليفة والحاضرين حتى تطرق إلى الموضوع الأصلي للمشورة في حضور عمر بنفسه في المعركة فقال :
« وَمَكَانُ الْقَيِّمِ بِالْأَمْرِ مَكَانُ النِّظَامِ « 3 » مِنَ الْخَرَزِ « 4 » يَجْمَعُهُ وَيَضُمُّهُ : فَإِنِ انْقَطَعَ النِّظَامُ
تَفَرَّقَ الْخَرَزُ وَذَهَبَ ، ثُمَّ لَمْ يَجْتَمِعْ بِحَذَافِيرِهِ « 5 » أَبَداً » ،
يا له من تعبير رائع وتشبيه جميل فالقائد والزعيم لبلد بمنزلة خيط المسبحة أو القلادة بفضله رمز الوحدة وإنسجام والأمّة ، كما تحمل الزعيم قضية في أن يتحلى بسعة الصدر ووسع الفكر بحيث يستطيع استقطاب كافة الأفراد وصهرهم في كتلة متحدة .
ثم خاض الإمام ثانية في رفع معنوياتهم على أنّ العرب اليوم هم الكثرة رغم قلّتهم وما
هامش
( 1 ) سورة التوبة / 33 .
( 2 ) سورة غافر / 51 .
( 3 ) وإن كان لهذه المفردة مفهوم كلي لكنّها تعني هنا السلك ينظم فيه الخرز .
( 4 ) « خرز » : بمعنى حبات السبحة وتكون نفيسة ، كما تكون عادية ويصنع منها المسبحة وأصلها « الخرز » على وزن الفرض بمعنى ثقب الجلد أو شيء أخر .
( 5 ) « حذافير » : جمع « حذفور وحذفار » على وزن مضمار بمعنى جانب الشيء وناحيته وحذافير بمعنىجميع الجوانب .