تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 408

مساهمون:

ص٤٠٨
« مَعَ كُلِّ جَرْعَةٍ شَرَقٌ ، وَفِي كُلِّ أَكْلَةٍ غَصَصٌ ! لَاتَنَالُونَ مِنْهَا نِعْمَةً إِلَّا بِفِرَاقِ أُخْرَى » ، فلعله يغص بالطعام ويموت رغم لذّته وشوقه إليه ، وأخيراً أشار إلى تنافر النعم الدنيوية المادية فصرّح بتعذر جمعها ، فما إن ينال واحدة حتى تفارقه أخرى ، مثلًا يحرم من نعمة الولد فيهبه اللَّه الولد لكنه يسلبه الهدوء والراحة ، أو أنّه فقير لا مال لديه ويعيش ظروفاً صعبة فيهبه اللَّه المال ، ولكن الحرص على هذا المال وكيفية التصرف به لا تدع له مجالًا للراحة ، ليس لديه وسيلة نقلية فهو يعاني من المصاعب وما إن يحصل عليها حتى يعاني من مشاكل جديدة من قبيل إنفاق المال عليها وكيفية المحافظة عليها ، وهكذا فهو لا يحصل على نعمة إلى بفراق أخرى . والعبارة تنتضل بالنظر إلى أنّها تستعمل بشأن الأفراد الذين يشتركون في مسابقات الرمي فهي تشير إلى آفات الدنيا وكأنّها تتسابق لاستهداف حياة الإنسان ، والعبارة منايا جمع منية بمعنى الموت إشارة إلى اختلاف أنواع الوفيات سواء الفردية أو الجماعية والتي أشير إليها في الخطبة ، قد يتصور أحياناً أنّ العبارة « لَا تَنَالُونَ مِنْهَا . . . » ، تعبير آخر عن الجملة « مَعَ كُلِّ جَرْعَةٍ شَرَقٌ . . . » ، والحال العبارتان مختلفتان ، فالعبارة مع كل جرعة شرق إشارة إلى أنّ بانتظار كل نعمة آفة كامنة ، وأمّا العبارة لا تناولوا منها . . . فهي تشير إلى أنّه لو لم يكن هنالك من آفة فانّ النعم لا تجتمع ، فلا تنال واحدة إلّابمفارقة أخرى . ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه بشرح رائع للعبارة السابقة حين قال لا تنالون نعمة إلّابفراق أخرى ، فبيّن خمسة نماذج واضحة في خمس عبارات فقال : « وَلَا يُعَمَّرُ مُعَمَّرٌ مِنْكُمْ ، يَوْماً مِنْ عُمُرِهِ ، إِلَّا بِهَدْمِ آخَرَ مِنْ أَجَلِهِ ، وَلَا تُجَدَّدُ لَهُ زِيَادَةٌ فِي أَكْلِهِ ، إِلَّا بِنَفَادِ مَا قَبْلَهَا مِنْ رِزْقِهِ . وَلَا يَحْيَا لَهُ أَثَرٌ إِلَّا مَاتَ لَهُ أَثَرٌ . وَلَا يَتَجَدَّدُ لَهُ جَدِيدٌ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَخْلَقَ « 1 » لَهُ جَدِيدٌ . وَلَا تَقُومُ لَهُ نَابِتَةٌ إِلَّا وَتَسْقُطُ مِنْهُ مَحْصُودَةٌ « 2 » » . نعم ، للإنسان حيوية خاصة حين الطفولة فان انتقل إلى مرحلة الشباب ودبّ فيه نشاطه تزوال عنه حيوية الطفولة ، فان اتّجه نحو مرحلة الشيخوخة وأصبح وجوده مجموعة من
هامش
( 1 ) « يحلق » : من مادة « خلوق » بمعنى يبلى ويخلق من مادة خلق المراد المعنى الأول في الخطبة . ( 2 ) « محصودة » : من مادة « حصد وحصاد » على وزن غصب بمعنى حصاد الشيء .
نفحات الولاية — صفحة 408 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي