التجارب والخيرات فقد نشاط الشباب ، وهكذا يمنح اللَّه الإنسان نعمة الولد ولا تمضي مدّة حتى يفقد أباه ويتعرف على أصدقاء جدد ، في حين يسلب القدماء من أصدقائه ، وهكذا يحصل على نعمة ويفقد أخرى ، وهذه هي طبيعة الحياة الدنيا والنعم المادية ، فهي لا تجتمع لأحد في أي زمان ومكان فلا تنال نعمة إلى بفراق نعمة أخرى ، وهذا بحدّ ذاته إنذار لكافة الناس بعدم التعلق بنعم الدنيا وربط القلب بها ، والعبارة
« وَلَا يَحْيَا لَهُ أَثَرٌ . . . »
، إشارة إلى أنّ الإنسان إن خلّف بعض الآثار - سواء كانت هذه الآثار علمية أم خيرية ذات النفع العام - فانّه يفقد قطعاً من أجلها طاقة من حيث الفكر والبدن ، والعبارة
« وَلَا تَقُومُ لَهُ نَابِتَةٌ . . . »
، يمكن أن تكون إشارة إلى نعمة الولد والحفيد حيث كلما كبر هؤلاء فقدوا بالتدريج قرابتهم الأكبر ، كما يمكن أن تكون إشارة إلى كل نمو وتقدم ، مثلًا يغرس الإنسان بذور جديدة في جانب من بستانه في حين يعاني جانب أخر من ذبول الأشجار وموتها الواحدة بعد الأخرى .
ثم إختتم الإمام عليه السلام كلامه بالقول :
« وَقَدْ مَضَتْ أُصُولٌ نَحْنُ فُرُوعُهَا ، فَمَا بَقَاءُ فَرْعٍ بَعْدَ ذَهَابِ أَصْلِهِ ! »
، فقد ذهب أباؤنا وأسلافنا وصاروا إلى الزوال فلا ينبغي لنا انتظار البقاء ، لأنّ الفرع الزائد على الأصل ليس بممكن ، وبناءاً على هذا سنلحق بهم عاجلًا أم آجلًا .
لقد رسم الإمام عليه السلام صورة واضحة ودقيقة في هذا القسم من الخطبة عن الدنيا ، نعم ، فلهذه الدنيا نعيش فيها آفاق تختلف تماماً عن واقعها ، أفاق القصور والثروات والنعم والجمال والنشاط ولكن ما إن نقترب منها حين نصطدم بصورتها القبيحة ، فالإنسان من جانب - كما أشار الإمام عليه السلام - هو هدف دائم لسهام الآفات والبلاء ، بحيث لا يسعه التهكن بمستقبله لما بعد ساعة ، ومن جانب أخر فإلى جانب كل نعمة مصيبة وإلى جانب كل وردة شوكة وأخيراً لا ننال نعمة حتى نفقد أخرى ، نعيش حياة متواضعة ، لكنّها مفعمة بالاستقرار ، نتمنى سعة هذه المعيشة ، إلّاأننا إن نلنا منيتنا طالعتنا العديد من المشاكل ، حفظ المال والثروة بحدّ ذاته مشكلة كبيرة ، إلى جانب عين الحسّاد التي تصوب نحوه وأماني الأشرار بزواله واللصوص الذين يتربصون به ، وأحياناً خيانة الزملاء والأصدقاء وهكذا سائر المشاكل التي تصب على رأسه من كل حدب وصوب والتي تقضي على استقراره بصورة تامة ، ناهيك عن مختلف الأمراض
نفحات الولاية — صفحة 409
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٤٠٩