فو فرضنا تنزه شخص عن كل عيب أو عيوب معينة ، فذلك نعمة كبيرة تستحق شكر اللَّه والشعور بلطف اللَّه تعالى وعنايته ، والحق إنّ مثل هذا الشكر يشغل الإنسان بنفسه إلى الحد الذي يسلبه فرصة البحث عن عيوب الآخرين .
نعم ، فهذا المعلم الرباني يعتمد مختلف الأدلة المنطقية بغية القضاء على هذه الرذيلة القبيحة المتمثلة بالغيبة وتحري عيوب الآخرين ، كما يغلق جميع الطرق على أصحاب الحجج والذرائع .
الغيبة والبحث عن العيوب آفة المجتمعات الإنسانية
الغيبة تعني إفشاء عيوب الأفراد ومثالبهم ، والمؤسف له هو أنّ هذه الظاهرة شائعة في أغلب المجتمعات البشرية ، وبما لا شك فيه أنّها تختزن مختلف الآثار السلبية على المستوى الأخلاقي وكذلك الاجتماعي ، وذلك لأنّ السند الرصين لكل مواطن في المجتمع هو ماء وجهه ، والغيبة تزيل ماء الوجه وتطعن في شخصية الفرد وتقضي على روح الثقة وبين أفراد المجتمع والتالي تلعب دوراً سلبياً في إضعاف التعاون الاجتماعي ، ومن هنا عدّها الشارع وحداة من أقبح وأشنع الذنوب حتى شبهها القرآن الكريم يأكل لحم الأخ الميت ، وقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله في خطبة حجّة الوداع وهى خطبة حساسة :
« أيُّها النَّاسُ إِنَّ دِماءَكُم وَأَموالَكُم وَأَعراضَكُم عَلَيكُم حَرامٌ كَحُرمَةِ يِومِكُم هذا فِي شِهْرِكُم هذا فِي بَلَدِكُم هذا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الغِيبَةَ كَمَا حَرَّمَ المَالَ والدَّمَ » « 1 » .
وكفى بقباحة الغيبة ما ورد في الحديث القدسي أنّ اللَّه تبارك وتعالى أوحى إلى موسى بن عمران :
« مَنْ ماتَ تِائِباً مِنْ الغِيبَةِ فَهُوَ آخِرُ مَنْ يَدخُلُ الجَنَّةَ وَمَنْ مَاتَ مُصِراً عَلَيها فَهُوَ أَولُ مَنْ يَدخُلُ النَّارَ » « 2 » .
وقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بهذا الشأن :
« مَنْ مَشى فِي غِيبَةِ أَخِيهِ وَكَشَفَ عَورَتَهُ كَانَ أَولُ خُطوةٍ خَطَاهَا وَضَعَها فِي جَهَنَّمَ » « 3 » .
هامش
( 1 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9 / 162 .
( 2 ) جامع السعادات 3 / 302 ؛ بحار الأنوار 72 / 257 .
( 3 ) جامع السعادات / 303 .