أخرى قد ركّزت على المصداق التام للحكمة ، والجدير بالذكر أنّ الأوصاف التي بيّنتها للقرآن تشبه الأوصاف التي بيّنتها العبارات المذكورة للحكمة ، على كل حال فقد قال كتاب اللَّه الذي تبصرون به الحقائق وتتحدثون به ، وتسمعون به ينطق بعضه البعض الآخر ( وتفسر فيه المتشابهات على ضوء المحكمات ) ويشهد بضعه على البعض الآخر ( ويؤيد بعضه الآخر ) ولا يختلف ما يقوله في اللَّه ، ومن يصحبه لا يخلاف اللَّه : « كِتَابُ اللَّهِ تُبْصِرُونَ بِهِ ، وَتَنْطِقُونَ بِهِ ، وَتَسْمَعُونَ بِهِ ، وَيَنْطِقُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ ، وَيَشْهَدُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ ، وَلَا يَخْتَلِفُ فِي اللَّهِ » .
والأوصاف السبعة التي بيّنها الإمام عليه السلام بشأن القرآن تشبه من جهات الأوصاف الخمسة التي بيّنها بصورة كلية بخصوص الحكمة .
والجدير بالذكر أنّ الحكمة اقترنت بالكتاب في غلب الآيات القرآنية « 1 » والذي يدلّ على العلاقة الوثيقة بينهما وأنّ رسل اللَّه سبحانه كانوا يمضون قدماً في ظلّهما ( الكتاب والحكمة ) .
من جانب آخر فانّ الأوصاف التي تضمنتها العبارة بشأن القرآن الكريم في أنّه أساس البصر والسمع والنطق ، وقد وردت الإشارة إليها في بعض الآيات القرآنية ومن ذلك الآية :
« قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ . . . » « 2 » .
وممّا لا شك فيه أنّ الآيات الإلهيّة ودلائل الحق قد وردت بكثرة في القرآن الكريم بحيث يسع الإنسان بواسطتها رؤية جمال الحق ويسمع نداء اللَّه تبارك وتعالى ، وهناك فارق واضح بين العبارة :
« يَنْطِقُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ »
والعبارة :
« يَشْهَدُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ »
، لأنّ الحديث في العبارة الأولى عن آيات القرآن التي يفسر بعضها البعض ، وتتضح المتشابهات في ظل المحكمات ، وأمّا العبارة الثانية فتتحدث عن إنسجام آيات القرآن وكلّ منها يعاضد الأخرى وتشهد على صدقها ، وبالعبارة :
« وَلَا يَخْتَلِفُ فِي اللَّهِ »
، إشارة إلى عدم اختلاف القرآن الكريم في بيان صفات الجمال والجلال والتي تعدّ من أهم مباحث القرآن الكريم ، ويتحدث بجميع أياته عن تلك الذات المقدّسة الجامعة لكافة الكمالات اللامتناهية ، والعبارة :
« وَلَا يُخَالِفُ بِصَاحِبِهِ عَنِ اللَّهِ » .
إشارة إلى أنّ أي من آيات القرآن لا تبعد الإنسان عن مسار الحق ، بل
هامش
( 1 ) سورة البقرة / 129 ، 151 ؛ وآل عمران / 48 ، 81 و . . .
( 2 ) سورة الأنعام / 104 .