السعادة والنجاة :
« لَقَدِ اسْتَهَامَ بِكُمُ الْخَبِيثُ ، وَتَاهَ « 1 » بِكُمُ الْغُرُورُ « 2 » ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى
نَفْسِي وَأَنْفُسِكُمْ » .
قال سبحانه وتعالى في كتابه العزيز : « وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً . . . » « 3 » ، كما قال : « وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا » « 4 » ، استهام من مادة هيام على وزن قيام خرج لا يدري أين يذهب ، فهو يمشي دون هدف حيران فلا يبلغ الهدف ، ولمّا كان العاشق حيران في حياته فقد أطلقت هذه المفردة على العشق الشديد .
على كل حال فانّ الشيطان يحث الإنسان على العبث والعشوائية ولا يقود ذلك سوى للحيرة والاضطراب ، وهذا بدوره يلقي بالإنسان في وادي الهلكة ، وبالنتيجة فانّ صفاتهم الباطنية القبيحة من جانب ، والانقياد لوساوس الشياطين من جانب آخر قد مهدت السبيل لبؤسهم وشقائهم وسلبتهم بصيرتهم وسمعهم ونطقهم وفهم الصحيح ، وهكذا يستعرض هذا الطبيب الرباني بهذه الخطبة الغرّاء جذور الأمراض وطرق مكافحتها وعلاجها .
أشار الإمام في هذا المقطع الأخير من الخطبة إلى عدّة أمور مهمّة منها :
1 - أنّ القرآن الكريم مصدر البصر السمع والنطق ، مع ذلك هناك من لم يستثمر ذلك ، لأنّهم محجوبون وحجابهم فسادهم والباطني وتلوثهم وطول أملهم وغرقهم في حبّ الدنيا ، ونعلم أنّ هذه الأمور أهم حجب المعرفة ، نعم فالكتب السماوية مهما ملئت الحكمة ، ومهما تحلى الأئمّة بالعلم والبلاغة فلا جدوى من ذلك ما لم تكن هناك قابلية في القابل ، فالشمس ترسل أشعتها
هامش
( 1 ) « تاه » : من مادة « تيه » بمعنى الحيرة ومن مادة « توه » على وزن لوح بمعنى الهلكة ، ويبدو المعنى الثاني فيالعبارة هو الأنسب .
( 2 ) « غرور » : إن قرأ بالضم فهو الخداع والمكر ، وإن قرأ بالفتح أفاد الوصف وعنى الشخص الخادع وقد أطلقه القرآن على الشيطان ، وقد ورد بالصيغة الأولى في النسخة المعروفة لصبحي الصالح ، بينما ورد بالصيغة الثانية في أغلب النسخ ، وتبدو الصيغة الثانية أنسب على ضوء تناسق العبارات .
( 3 ) سورة النور / 21 .
( 4 ) سورة النساء / 83