المتورعون ، والمتنزهون ، حقّاً إنّ افتقرت المجتمعات البشرية إلى هذه الطوائف الشريفة والنجيبة في المجتمع ، فليس هناك سوى الفساد والانحراف ، والمراد من المتورعين في مكاسبهم ، الأفراد الذين لا يطففون في البيع ولا يغشون ولا يكذبون ولا يقسمون بالباطل ولا يرابون والذين ينقضون عهودهم ومواثيقهم ، فمن يرى المجتمع الصالح العامر بالأخيار والصلحاء والأحرار والسمحاء على أنّهم نماذج المجتمع إنّما يشعر بالامتعاظ لا سيّما إن رأى بدلًا منهم الأشرار والطلحاء والأسرى والبخلاء فلا يمتلك سوى الصراخ : اين أولئك الأعزة ؟ كيف خلى مكانهم ؟
ثم قال الإمام عليه السلام :
« أَلَيْسَ قَدْ ظَعَنُوا « 1 » جَمِيعاً عَنْ هذِهِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ ، وَالْعَاجِلَةِ
الْمُنَغِّصَةِ « 2 » » .
فأردفها عليه السلام بالقول :
« وَهَلْ خُلِقْتُمْ « 3 » إِلَّا فِي حُثَالَةٍ « 4 » لَاتَلْتَقِي بِذَمِّهِمُ الشَّفَتَانِ ، اسْتِصْغَاراً
لِقَدْرِهِمْ ، وَذَهَاباً عَنْ ذِكْرِهِمْ ! فَ ( إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ) » .
وقد انبثقت هذه الظروف العصيبة والأفراد المنحطين منذ انحراف الخلافة الإسلامية عن محورها الأصلي وقد بلغ الأمر ذروته على عهد عثمان ، فقد فوضت المواقع الحساسة من الحكومة الإسلامية إلى أصحاب الدنيا البعيدين عن الورع والتقوى وقد تغلغلوا في المجتمع الإسلامي بحيث كان من المتعذر تغييرهم ابان حكومة علي عليه السلام ، كما كان هؤلاء الأفراد هم السبب لكافة المعارك التي حدثت ضد الإمام عليه السلام .
ثم أشار الإمام عليه السلام إلى الوظيفة التي ينبغي أن يقوم بها أصحابه تجاه تلك الظروف والأوضاع فقال :
« ظَهَرَ الْفَسَادُ ، فَلَا مُنْكِرٌ مُغَيِّرٌ ، وَلَا زَاجِرٌ مُزْدَجِرٌ . أَفَبِهذَا تُرِيدُونَ أَنْ تُجَاوِرُوا اللَّهَ فِي دَارِ قُدْسِهِ ، وَتَكُونُوا أَعَزَّ أَوْلِيَائِهِ عِنْدَهُ ؟ » .
هامش
( 1 ) « ظعنوا » : من مادة « ظعن » السفر والرحيل .
( 2 ) « المنغصة » : من مادة « نغص » على وزن نقص الكدر وعدم الصفاء ماء الشرب ، ثم أطلقت على كدورة العيش ومنه العيش المنغص .
( 3 ) وردت هذه المفردة في أغلب شروح نهج البلاغة خلقتم التي لا تختلف كثيراً عن « خُلِّفتُم » كما لم تذكر إلّافي العبارة إلّابذمهم .
( 4 ) « حثالة » : تعني في الأصل راسب الدهن ثم استعملت بشأن الأفراد الأراذل الذين لا شخصية لهم .