طبعاً إنّ هذا الاستفهام استفهام استنكاري ، والمراد على ضوء هذا الوضع الذي سلكتموه وقد سكتم إزاء الفساد أو أعنتم عليه ، فلا من أمر بمعروف ولا نهي عن منكر ، فليس لكم أن تنالوا القرب الإلهي وتكونوا في صفوف أولياء اللَّه ، فأكد ذلك بالقول :
« هَيْهَاتَ ! لَايُخْدَعُ اللَّهُ عَنْ جَنَّتِهِ ، وَلَا تُنَالُ مَرْضَاتُهُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ » .
فأولئك المسلمون ظاهراً ويحسبون في صفوف أهل الإيمان لكنّهم راضون بالفساد ساكتون باطناً ، لا يقدرون على خداع اللَّه العالم بأسرارهم وأعمالهم ، لعلم يخدعون الآخرين ، بل وأنفسهم لمدّة ، ولكن أنى لهم ذلك يوم القيامة يوم لا يخفى على اللَّه منهم خافية ، فليس أمامهم سوى الندم .
ورد في الحديث عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله أنّه قال :
« لَيسَ الإيمانُ بِالتَّحلّي وَلا بِالَّتمنِّي وِلَكن الإِيمانَ ما خَلصَ فِي القَلبِ وَصَدَّقَهُ الأَعمالُ » « 1 » .
ثم إختتم الخطبة مشدداً في التأكيد فقال :
« لَعَنَ اللَّهُ الْآمِرِينَ بِالْمَعْرُوفِ التَّارِكِينَ لَهُ ، وَالنَّاهِينَ عَنِ الْمُنْكَرِ الْعَامِلِينَ بِهِ ! » .
صحيح أنّ عمل الإنسان لا يشترط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وبعبارة أخرى فانّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وظيفتان مستقلتان وإن كان نفس الإنسان تاركاً للمعروف وعاملًا بالمنكر .
كما ورد عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله :
« مُروا بِالمَعرُوفِ وَإن لَم تَفعَلوهُ وَانهُوا عن المُنكَرِ وإن لَم تَجتَنِبُوا كُلَّهُ » « 2 » .
ولكن أن يأمر الإنسان بالمعروف ولا يأتمر به وينهى عن المنكر ولا ينتهي عنه بحدّ ذاته نوع من النفاق الواضح ، والمنافق يستحق اللعن واللوم والعقاب .
وبعبارة أخرى فانّ اختلاف الظاهر والباطن الذي يكون سبباً لخداع الناس وروح النفاق من أسوأ الصفات التي يحعل الإنسان يستحق اللعن فيوجب بُعده عن اللَّه ورحمته .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار 66 / 72 ، ح 26 .
( 2 ) كنز العمال 3 / 66 ، ح 5522 .