تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
أَصْبَحْتُمْ فِي زَمَنٍ لَايَزْدَادُ الخَيْرُ فِيهِ إِلَّا إِدْبَاراً ، وَلَا الشَّرُّ فِيهِ إِلَّا إِقْبَالًا ، وَلَا الشَّيْطَانُ فِي هَلَاكِ النَّاسِ إِلَّا طَمَعاً . فَهذَا أَوَانٌ قَوِيَتْ عُدَّتُهُ ، وَعَمَّتْ مَكِيدَتُهُ ، وَأَمْكَنَتْ فَرِيسَتُهُ « 1 » » . فهذه العبارات الصريحة والواضحة تشير إلى مدى سقوط الوضع الأخلاقي للمسلمين في ذلك العصر والزمان بفعل الحكومات المستبدة ، ومدى الوسط المضحك الذي واجهه الإمام عليه السلام في عهده ، نعم إن فسد مسؤولوا البلاد ومن كان على رأس الحكومة فانّ الفساد سيشمل كل شيء « النّاس عَلى دينِ مُلُوكِهِم » . فما الذي يمكن توقعه من الناس إن وزع الخليفة أموال بيت المال المسلمين على بطانته ، وولى قرابته الطالحة ونصبهم في المواقع الحساسة ، وتعاطى عامله الشراب علانية ليدخل المحراب فيصلي بالناس جماعة ثملًا ، ويمارس الآخرون الرذيلة والأعمال البشعة ، أو ليست سلطة الشيطان بالتكالب على الدنيا وإبتاع الأهواء ؟ نعم ، إنّ سادت هذه الأمور تيسرت حكومة الشيطان ، فقد ورد في الخبر أنّ ابن عمر وبعض ولد أبي بكر وسعد بن أبي وقاص قصدوا علياً عليه السلام حين خلافته وسألوه زيادة العطاء من بين المال ، فصعد عليه السلام المنبر وخطب الناس قائلًا : « . . . إذا مَنعتُهُم مَا كانُوا فِيهِ يَخُوضُونَ وَصَيّرتُهُم إلى مَا يَستَوجِبُونَ فَيَفقِدون ذَلكَ فَيسأَلُونَ وَيَقُولُونَ : ظَلَمنا ابنُ أبي طالبٍ وَحَرَمنا وَمَنعنا حُقوقَنا - إلى أن قال - أَمّا أَنَّي أَعلَمُ الّذي تُرِيدُونَ وَيُقِيمَ أَودكم ، وَلَكن لا أَشتَري صَلاحَكُم بِفَسادِ نَفسِي . . . » « 2 » . ثم قال : « اضْرِبْ بِطَرْفِكَ « 3 » حَيْثُ شِئْتَ مِنَ النَّاسِ ، فَهَلْ تُبْصِرُ [ [ تنظر ] ] إِلَّا فَقِيراً يُكَابِدُ « 4 » فَقْراً ، أَوْ غَنِيّاً بَدَّلَ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْراً ، أَوْ بَخِيلًا اتَّخَذَ الْبُخْلَ بِحَقِّ اللَّهِ وَفْراً « 5 » ، أَوْ مُتَمَرِّداً كَأَنَّ
هامش
( 1 ) « فريسة » : من مادة « فرس » على وزن قرض بمعنى الصيد . ( 2 ) أصول الكافي 8 / 551 . ( 3 ) « طرف » : وردت أحياناً بمعنى العين ، وأخرى حركة جفن العين ، كما استعملت بمعنى النظر لأنّ الأجفان‌تتحرك حين النظر . ( 4 ) « يكابد » : من مادة « كبد » بمعنى تحمل المشقة وهذا هو المعنى المراد بها في العبارة ، كما وردت بمعنى الجعل في المشقة . ( 5 ) « الوفر » : بمعنى الوفير والكثير .
نفحات الولاية — صفحة 245 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي