وفساد المجتمع فقال :
« عِبَادَ اللَّهِ ، إِنَّكُمْ - وَمَا تَأْمُلُونَ مِنْ هذِهِ الدُّنيَا - أَثْوِيَاءُ « 1 » مُؤَجَّلُونَ ،
وَمَدِينُونَ مُقْتَضَوْنَ : أَجَلٌ مَنْقُوصٌ ، وَعَمَلٌ مَحْفُوظٌ » .
فقد شبّه الإمام عليه السلام وضع أهل الدنيا بهذه العبارة بالضيوف الذين دعوا لمدّة معينة في ضيافة ، وبالأفراد المدينين الذين لا يتركهم دائنوهم ، فمن الطبيعي ألا يرى الضيف دار المضيف محطته الأبدية ، فهم لا يتعلق بها أبداً ولا يثق بها ولا يحرص عليها ، وليس الشخص المدين الذي يتابع دائماً من قِبل الدائن من سبيل سوى منحه كل ما يجد بالتدريج ، أملًا بأن يأتي اليوم الذي يكون قد سدد فيه كل دينه ، كأنّ العمر الذي منحنا اللَّه تعالى من ديوننا التي تؤخذ منّا كل لحظة ، والمشكلة المهمّة أنّ إلى جانب ذلك العمر المتقلب والذي ينقضي بسرعة أعمالنا التي نقوم بها والتي تحفظ ويجب علينا تحمل تبعاتها .
ورى بعض شرّاح نهج البلاغة عن بعض الصلحاء قوله :
« مَا أَدرِي كَيفَ أَعجَبُ مِنَ الدُّنيا ! أَمن حُسنِ مَنطَرِها وَقُبحِ مَخبَرِها أَم مِنْ ذَمِّ النَّاسِ لَها وَتَناحُرِهُم عَلَيها » « 2 » .
ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه قائلًا :
« فَرُبَّ دَائِبٍ « 3 » مُضَيَّعٌ ، وَرُبَّ كَادِحٍ « 4 » خَاسِرٌ » .
صحيح أنّ السعي والجهد رمز الموفقية والنجاح ، إلّاأنّ هذا ليس قانوناً كلياً ، فهناك الأفراد الذين أفنوا عمرهم في السعي والجد وأجهدوا أنفسهم ليل نها ولم يظفروا بشيء ، وهذا أحد إحباطات الإنسان في الحياة الدنيا ، ولعل العبارة إشارة إلى السعي المتعلق بالأمور المادية أوالمعنوية ، لأنّهم كثيرون هو الأفراد الذين أجهدوا أنفسهم من أجل الوصول إلى المقامات المعنوية والنجاة الأخروية ، ولكن تسللت إليهم أهواء النفس ووساوس الشيطان في اللحظات الحساسة فاشتعلت النيران في مزارع طاعتهم وأحرقت كل شيء ، ثم أشار إلى الأوضاع المزرية لزمانهم وإقبال الناس على المساوىء وفرارهم من الصالحات فقال :
« وَقَدْ
هامش
( 1 ) « أثوياء » : جمع « ثوي » على وزن قوي بمعنى الضيف وفي الأصل من مادة « ثواء » بمعنى الإقامة في مكان .
( 2 ) شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد 8 / 247 .
( 3 ) « دائب » : من مادة « دؤوب » على وزن غروب المداوم في العمل .
( 4 ) « كادح » : من مادة « كدح » على وزن مدح الساعي بجهد ومشقة في القيام بعمل .