موفقاً منصوراً في الحرب ، كما كان عسكره من الأفراد الشجعان وكانوا يعيشون بصورة شبه وحشية وأنّهم من أصبر الناس على القتال ، لا يعرفون الفرار ويعلمون ما يحتاجون إلى من السلاح بأيديهم ، وأنّ خيلهم لا تحتاج إلى الشعير ، بل تأكل نبات الأرض وعروق المراعي ، وأنّ عندهم من الخيل والبقر ما لا يحصى ، وأنّهم يأكلون الميتة والكلاب والخنازير وهم أصبر خلق اللَّه سبحانه على الجوع والعطش والشقاء ، وثيابهم أخشن الثياب مسّاً ، ومنهم من يلبس جلود الكلاب والدواب والميتة ، وأنّهم أشبه شيء بالوحش والسباع ، كانوا يقتلون كل من يرونه من الرجال ويغنمون الأموال ويحرقون المدن ويسبون النساء الأطفال ، لقد دخلوا من شرق إيران وأشاعوا الخوف والرعب بحيث لم يفكر أحد في مواجهتهم ، ومن قاومهم استسلم أخيراً لهم ، وأحياناً كانت تفتح لهم أبواب المدن بعد أن يعطيهم التاتار الأمان حين يطلبونه ، ولكنّهم كانوا ينقضون عهدهم ويقتلون أهالي المدن ويسبون النساء والأطفال ويعذبون الناس بأنواع العذاب في طلب المال . . ومن العجيب في هذ الأحداث أنّهم وصلوا إلى إصفهان بعد أن سيطروا على المدن الإيرانية ، فحصلت بين الفريقين مقتلة عظيمة ، ولم يبلغوا منها غرضاً حتى اختلف أهل إصفهان في سنة ثلاث وثلاثين وستمائة وهم طائفتان : حنفية وشافعية ، وبينهم حروب متصلة وعصبية ظاهرة ، فخرج قوم من أصحاب الشافعي إلى ما يجاروهم ويتاخمهم من ممالك التتار ، فقالوا لهم : اقصدوا البلد حتى نسلمه إليكم ، وفتحت أبواب المدينة فلما دخلوا البلد بدؤا بالشافعية فقتلوهم قتلًا ذريعاً ، ولم يقفوا مع العهد الذي عهدوه لهم ، ثم قتلوا الحنفية ، ثم قتلوا سائرالناس وسبوا النساء وشقوا بطون الحبالى ونهبوا الأموال وصادروا الأغنياء ، ثم أضرموا النار ، فأحرقوا إصفهان حتى صارت تلولًا من الرماد .
ثم ساروا إلى بلاد العرب فهجموا على بغداد فتصدى لهم عسكر بغداد وثبت أحسن ثبوت ورشقوهم بالسهام ، وبعد مدّة توفي جنكيز وخلفه حفيده هولاكو الذي تمكن من السيطرة على بغداد بعد أن قتل آخر خلفاء العباسيين المستعصم باللَّه وقد أنهى حكومتهم بذلك .
وبقي المغول في إيران والبلدان الإسلامية وقد فقدوا ما طبعوا عليه من وحشية بالتدريج وتأثروا بالثقافة الإسلامية ، وأسلم هولاكو حتى تشيع السلطان محمد خدابنده أحد سلاطين المغول « 1 » .
هامش
( 1 ) شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد 8 / 218 - 252 ، وقاموس دهخدا مفرد المغول .