وهم مصداق واضح للآية : « قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً » « 1 » .
ثم أشار الإمام عليه السلام إلى نقطة أخرى وهى أنّ الأفراط والتفريط شيمة الأفراد الجهال ، فمنهم من ألّهني ومنهم من كفّرني ، فقال عليه السلام :
« وَسَيَهْلِكُ فِيَّ صِنْفَانِ : مُحِبٌّ مُفْرِطٌ يَذْهَبُ بِهِ الْحُبُّ إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ ، وَمُبْغِضٌ مُفْرِطٌ يَذْهَبُ بِهِ الْبُغْضُ إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ » .
فإن دفعكم جهلكم وجنايتكم لأن تعتبرونني كافراً ، فانّ هناك من ذهب إلى عكس ذلك - وبدافع الجهل أيضاً - ليقولوا بالوهيتي ، والفئتان ضالتان ، والطريف في الأمر إنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أخبر الإمام عليه السلام منذ سنوات بهذا الإفراط والتفريط تجاهه ، فقد روى ابن عبدالمالكي في كتاب « الاستيعاب » أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله خاطب علياً عليه السلام بالقول :
« لا يُحِبُّك إلّامُؤمِن ولا يُبغِضُك إلّا مُنافِق . . . وَيَهْلَكُ فِيكَ رَجُلانِ مُحِبٌّ مُفرِطٌ وَكَذَّابٌ مُفْتَرٍ . . وَتَفْتَرِقُ فِيكَ أُمَّتِي كَمَا افتَرَقَتْ بَنو إِسرائيلَ فِي عِيسى » « 2 »
. ( الحديث إشارة إلى أنّ طائفة من بنيغ إسرائيل آمنت واعتقدت بألوهيته وطائفة لم تؤمن ورأته ابن اللَّه والعياذ بالللَّه ) .
وروى المرحوم السيد محسن الأمين في « أعيان الشيعة » عن « مسند أحمد » و « صحيح الترمذي » و « الاستيعاب » لابن عبد البر و « مستدرك الحاكم » أنّ المعروف بين الصحابة بغض علي عليه السلام علامة النفاق والذي يمييزه عن المؤمن الصادق .
ثم أضاف والثابت تاريخياً أنّ معاوية كان يسب علياً عليه السلام ويدعو الناس إلى سبّه ( وعليه فمعاوية كان من المنافقين ) « 3 » .
على كل حال فالجهّال دائماً على الإفراط والتفريط ، الغلو أو العداوة .
ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه وبالتأكيد على حفظ الاعتدال فقال :
« وَخَيْرُ النَّاسِ فِيَّ حَالًا الَّنمَطُ الْأَوْسَطُ فَالْزَمُوهُ » .
هامش
( 1 ) سورة الكهف / 103 - 104 .
( 2 ) الاستيعاب 3 / 36 .
( 3 ) شرح نهج البلاغة لمغنية 2 / 247 ، كما وردت في كتاب الغدير عدّة روايات من المصادر المعتبرة للعامّة بخصوص معرفة المؤمن يحبّ علي عليه السلام والمنافق ببغضه ( الغدير 3 / 183 ) .