الست الماضية بحث مفصّل ورد في الكتب الفقهية مثل كتاب الخمس وكتاب الزكاة وكتاب الجهاد .
وهنا يطرح هذا السؤال : أي من هذه الأموال الست التي ينبغي توزيعها بصورة مساوية بين المسلمين وقد عمل بذلك رسول اللَّه صلى الله عليه وآله واستمر العمل بها حتى في زمان الخليفة الأول ، وواصلها الإمام علي عليه السلام إحياءً للسنّة بعدما إندرست على عهد الخليفة الثاني والثالث ؟
يبدو أنّ تلك الأموال هي أموال الخراج ( ويحتمل إلحاق الجزية بها ) والتي كانت تشكل في ذلك الزمان القسم الأعظم من بيت المال ، وقد كانت إلى درجة من الكثرة بحيث لم تكن هناك من أهميّة لسائر موارد بيت المال في مقابلها ، ولذلك فانّ أحد البرامج الرئيسية للولاة الذين يتجهون إلى مختلف المناطق جباية الخراج ، ويستفاد هذا المعنى من أغلب الرسائل الواردة في نهج البلاغة ، ومن ذلك عهد الإمام عليه السلام إلى مالك الأشتر رضي الله عنه ورسالته عليه السلام إلى مصقلة بن هبيرة ( الرسالة 53 و 43 ) .
وبناءاً على ما تقدم فانّ وزع قسم آخر من أموال بيت المال بصورة غير متساوية على أساس مصالح المسلمين والحكومة الإسلامية على ضوء المدارك الفقهية ، فليس هناك من منافاة مع ما ورد في هذه الخطبة وأمثالها .
أضف إلى ذلك فانّ هناك تقسيماً لأموال بين المال على أساس مصالح المسلمين والخدمات التي يقوم بها بعض الأفراد ، لا على أساس المصالح الشخصية كما كان يفعل ذلك معاوية ، حيث كان يشتري زعماء القبائل بما يغدق عليهم من أموال ، حتى كان يغرر ببعض الأفراد ضعاف الإيمان من جيش الإمام عليه السلام فيغريهم بما ينفقه عليهم من أموال كثيرة « 1 » ، وهذا بحدّ ذاته يمثل جناية عظمى لا يمكن تداركها والإغماض عنها ، وقد كان الإمام عليه السلام كما ورد في هذه الخطبة يتنفر من هذا العمل ، وقد غضب بشدّة على من اقترح عليه استمالة الأشراف وزعماء القبائل بالأموال .
وبالطبع فانّ هذه مدرسة الأحرار والأتقياء الأوفياء التي كانت وما زالت تتضاد ومدرسة سماسرة السياسة وعبدة المناصب وأسرى الأهواء .
هامش
( 1 ) ورد عن معاوية أنّه قال : « واللَّهِ لأستَمِيلنّ بالأموالِ أَهلَ ثُقاتِ عليٍّ ولااقسِمَنَّ فِيهِم المالَ حتّى تَغلِبَ دُنيايعَلَى آخِرَتِهِ » شرج نهج البلاغة للعلّامة التستري 6 / 491 .