تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
مال المسلمين بينهم بالسوية دون أن يكون هناك أدنى امتياز لشريف على وضيع وشخصية سياسية واجتماعية وحتى السابقين في الإسلام ، بل حتى أهل الحاجة على أحد من الناس ، وهذا ما كانت عليه الحال على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ويبدو أنّه كان النهج الذي اعتمده الخليفة الأول أيضاً ، حتى خلافة عمر حيث إتّبع التمييز والاخذ بنظر الاعتبار الأمور السياسية والاجتماعية في تقسيم بين المال . قال ابن أبي الحديد : أمّا عمر فانّه لما ولّى الخلافة فضل بعض الناس على بعض ، ففضّل السابقين على غيرهم ، وفضّل المهاجرين من قريش على غيرهم من المهاجرين ، وفضّل المهاجرين كافة على الأنصار كافة ، وفضلّ العرب على العجم ، وفضّل الصريح على المولى ، وقد كان أشار على أبي بكر في أيّام خلافته بذلك ، فلم يقبل وقال هذا خلاف كتاب اللَّه ، ولما ولّى عثمان الخلافة بلغ التمييز قمته ، فقد فضّل آنذاك كافة قرابته وبطانته ، فقسم بينهم أغلب أموال بيت المال « 1 » ، وقد ذكر العلّامة الأميني رحمه الله في المجلد الثامن من كتابه الغدير الصفحة ( 486 ) عنواناً أسماه ( الفوضى في مال اللَّه ) جمع فيه الأرقام الدقيقة التي روتها مختلف مصادر العامّة بشأن هباته إلى قبيلته وأعوانه ، وهى الأرقام التي تذهل كلّ إنسان حين يتأملها ، فكان هذا أحد العوامل التي دعت الناس للقيام عليه ، كما أنّ رفع هذه الامتياز من قبل الإمام عليه السلام كان أحد العوامل التي جعلت زعماء القبائل يتمردون عليه ( كما يفهم من هذه الخطبة وسائر خطب نهج البلاغة ) « 2 » . والطريف في الأمر أنّ أصحاب الامتيازات في ذلك الزمان لم يخفوا هذا الأمر ، كما نقل ذلك الطبري في تاريخه ، حيث قال رجل لأبي عبد الرحمن السلمي ( الذي كان معروفاً آنذاك ) « 3 » : ناشدتك اللَّه متى عاديت علياً عليه السلام أليس ذلك حين قسم العطاء ولم يعطك وأهلك شيئاً ( وقد استغلوا بيت المال قبل ذلك ) ؟ قال أبو عبد الرحمن : بلى هو كذلك . « 4 »
هامش
( 1 ) مرّت تفاصيل ذلك في شرحنا للخطبة الشقشقية . ( 2 ) انظر الخطبة 232 . ( 3 ) أبو عبد الرحمن السلمي من مشاهير التابعين ، ولم يكن من الصحابة وقال البعض كان بادىء الأمر من‌خواص أمير المؤمنين عليه السلام ( الكني والألقاب ) . ( 4 ) كتاب منتخب ذيل المذيل ، ص 147 نقلًا عن العلّامة التستري في شرحه لنهج البلاغة 6 / 491 .
نفحات الولاية — صفحة 200 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي