دون أن يضيع شيئاً ظاهرياً ، كأن يعد طعاماً كثيراً للغاية وفاخراً لبضعة أفراد ، بينما يمكن إطعام عشرات الأفراد بتلك القيمة ، فقد أشار الإمام عليه السلام في هذا المقطع من خطبته إلى الآثار المعنوية السيئة لصرف الأموال في غير مواضعها ، حيث يمكن أن يحظى الإنسان في ظلهاً بمكانة معينة إلى أجل بين الناس ، بينما يسقط بالمرة أمام اللَّه ويعرض نفسه لأشد العقاب في يوم الجزاء ، وأمّا نعته مثل هذا العطاء بالتبذير والاسراف ، فذلك لأنّه يؤدّي إلى إشاعة التبذير والإسراف في وسط المجتمع ، فأولئك الذين يأخذون أكثر من الحدّ اللازم ، لا يسعهم غالباً إفاضة جزء منه على الآخرين ، كما لا يستطيعون احتماله بأنفسهم ، فلا مناص من بروز حالة التبذير والإسراف .
ثم إختتم الإمام عليه السلام خطبته بالإشارة إلى الآثار الدنيوية السيئة لذلك العمل فقال :
« وَلَمْ يَضَعِ امْرُؤٌ مَالَهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ وَلَا عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ إِلَّا حَرَمَهُ اللَّهُ شُكْرَهُمْ ، وَكَانَ لِغَيْرِهِ وُدُّهُمْ .
فَإِنْ زَلَّتْ بِهِ النَّعْلُ يَوْماً فَاحْتَاجَ إِلَى مَعُونَتِهِمْ فَشَرُّ خَلِيلٍ وَأَلْأَمُ خَدِينٍ « 1 » ! » .
والعبارة ألأم خدين إشارة إلى أنّ أولئك الأفراد الذين أحسن إليهم ليس فقط لا يقدمون المساعدة لمن أحسن إليهم في يوم عوزه فحسب ، بل تبلغ بهم الوضاعة واللؤم أن يتحولوا إلى ذامّين ، أمّا ما فهمه بعض شرّاح نهج البلاغة من أنّ العبارة تعني اللوم والتوبيخ ، فلعل ذلك كون الصديق هو المصداق الواضح للوضاعة حين الحاجة ، وقد دلّ التاريخ والتجارب الشخصية كراراً ومراراً على أن أغلب الظلمة والأثرياء الذين يغدقون الأموال على أصدقائهم ، لم يمهد أحد لهم يد العون حين ذاقوا وبال أعمالهم ، بل نفر عنهم أقرب أصدقاؤهم القدماء ، ولعل بيت الشعر المعروف للشاعر المشهور حافظ الشيرازي والذي تتناقله الألسن ومضمونه « أني لم أتأثر قط بما يفعله الأجانب ، بقدر ما أتأثر مما يفعله الصديق ) إشارة إلى هذا المعنى .
بحث في أسلوب تقسيم العطاء
يستفاد من هذه الخطبة الشريفة أنّ الإمام عليه السلام كان شديد الحرص على تقسيم أموال بيت
هامش
( 1 ) « خدين » : من مادة « خدن » بمعنى الصداقة وخدن على وزن اذن بمعنى الصديق وجمع ذلك أخدان .