ثم أضاف عليه السلام قائلًا :
« وَاللَّهِ لَاأَطُورُ « 1 » بِهِ مَا سَمَرَ سَمِيرٌ « 2 » ، وَمَا أَمَّ « 3 » نَجْمٌ فِي السَّمَاءِ
نَجْماً ! » .
فقد بيّن الإمام عليه السلام رسوخ عزمه بهذا الشأن بعبارات صريحة وقوية ، فهو يقسم من جانب ، ويستعمل العبارة لا أطور من جانب آخر ، والمراد ليس فقط لا أفعل هذا ، بل لا أقاربه ولا أحوم حوله ، إلى جانب ذلك أشار إلى الحركة المتواصلة والأبدية للنجوم في السماء والليل والنهار في الأرض ، كناية عن مراده لو كان عمري خالداً فلست مستعداً للمارسة مثل هذا الظلم والتمييز ، ثم أكّد ذلك بقوله :
« لَوْ كَانَ الْمَالُ لِي لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ ، فَكَيْفَ وَإِنَّمَا الْمَالُ مَالُ اللَّهِ ! » .
فالعبارة وإن بدت صعبة على الأفراد الذين ليس لهم بُعد نظر وأولئك الذين يضحون بالحق والحقيقة من أجل المصلحة ، إلّاأنّ الحق هو أنّ هذه العبارة إنّما تتفق وسنّة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وتعاليم القرآن الكريم والقيم الإسلامية العليا ، وهذا ما سنعرض له في البحث القادم .
ثم أشار الإمام علي عليه السلام إلى مفاسد الظلم والجور والتقسيم غير العادل لأموال بيت المال فقال :
« أَلَا وَإِنَّ إِعْطَاءَ الْمَالِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ تَبْذِيرٌ وَإِسْرَافٌ ، وَهُوَ يَرْفَعُ صَاحِبَهُ فِي الدُّنْيَا وَيَضَعُهُ فِي الْآخِرَةِ ، وَيُكْرِمُهُ فِي النَّاسِ وَيُهِينُهُ عِنْدَ اللَّهِ » .
قد يكون التبذير والاسراف بمعنى واحد ويرادف كلّ منهما الآخر تارة ، وتارة أخرى بمعنيين ، لأنّ التبذير بالمعنى الواقعي يختلف عن الاسراف ، فالتبذير من مادة بذر بمعنى نثر البذور وتستعمل حين يضيع الإنسان نعمة اللَّه ويطرحها جانباً ، وبعبارة أخرى ينفق الأموال في غير موضعها ، أمّا الاسراف فهو المبالغة في استهلاك النعم بحيث يخرج من حالة الإعتدال
هامش
( 1 ) « أطور » : من مادة « طور » على وزن غور بمعنى حام حول الشيء ، والمفردة طور وجمعها أطوار وردتبمعنى نوع وحالة وصيغة .
( 2 ) « سمير » : من مادة « سمر » على وزن تمر حديث الليل ، وقال البعض أن المعنى الأصلي لهذه المادة هو الاختلاط بالنور والظلمة ، ولما كانت أحاديث الليل تتم أحياناً في ظلّ النور ، فقد ستخدمت هذه المفردة بشأن أحاديث الليل ، وإن اطلق الأسمر على بعض الأفراد فذلك لأنّ بياض بشرتهم مشوب باللون الغامق .
( 3 ) « أمّ » : من مادة « أم » على ورن غم بمعنى القصد ، والعبارة ( ما أمّ نجم في السماء نجماً ) كناية عن طلوع النجوم وغروبها متتابعة ، وكأنّ كل نجم يقصد متابعة الآخر .