3 - قطعاً ليس للقرآن من دور في التحكيم من خلال نفسه ، وإنّما يتسنى ذلك بواسطة أهل الذكر العالِمين بالقرآن فيجتهدون في استنباط أحكامه في كل مسألة وإبلاغها إلى الناس ، ولو حصل هذا الأمر في حادثة صفين لتبيّن أنّ عسكر معاوية مشمولون بالآية التاسعة من سورة الحجرات القائلة :
« فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى . . . »
فينبغي إدانتهم بصفتهم بغاة طغاة هبّوا للوقوف بوجه إمام المسلمين والحكومة الإسلامية .
والمؤسف أنّ الحكمين هما أبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص اللذان ليس لهما من علم بالقرآن ، ونهض بالأمر من هو عارف بالقرآن ، فانّ ذلك ليس خلافاً فحسب ، بل يمثل عملًا بالقرآن وأحكامه ، لكن حيث لم تحصل الشرائط اللازمة في أية مرحلة ، وكانت النتيجة مريرة على تلك الفئة الجاهلة ، فعمدت إلى لوم الإمام عليه السلام بدلًا من ذمّها لنفسها ، فلم تعمد لإصلاح منظرها ، بل اتجهت إلى كسر المرآة ، طبعاً لا ينبغي تصور قضية التحكيم على أنّها ترتبط بحادثة تاريخي عابرة ، بل هي قضية تكرر في مختلف العصور والأزمنة وحتى في عصرنا الحاضر ، فهناك من يتستر خلف بعض المقدسات من ثم يحملوها بعض القراءات الخاطئة عن علم وبدونه ويختارون ما يتماشى ومصالحهم اللامشورعة .
فلعمروا بن العاص وأبو موسى الأشعري - هذان الجاهلان - أشباههما في كل زمان ، وأما أكثر ما تتكرر واقعة صفين وحمل المصاحف على السنان والتحكيم التي تتخذ لنفسها صوراً مختلفة ، فلا تتمخض سوى عن النتائج التي تؤدّي إلى مظلومية من يسير على النهج العلوي .
نفحات الولاية — صفحة 185
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١٨٥