الأخير بالقول :
« وَأَمَّا قَوْلُكُمْ : لِمَ جَعَلْتَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ أَجَلًا فِي التَّحْكِيمِ ؟ فَإِنَّمَا فَعَلْتُ ذلِكَ لِيتَبَيَّنَ الْجَاهِلُ ، وَيَتَثَبَّتَ « 1 » الْعَالِمُ » .
ثم أضاف :
« وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ فِي هذِهِ الْهُدْنَةِ « 2 » أَمْرَ هذِهِ الْأُمَّةِ ؛ وَلَاتُؤْخَذُ بِأَكْظَامِهَا « 3 » ،
فَتَعْجَلَ عَنْ تَبَيُّنِ الْحَقِّ ، وَتَنْقَادَ لِأَوَّلِ الْغَيِّ » .
فقد بيّن الإمام عليه السلام عدّة فوائد للأجل الوارد في مسألة التحكيم ،
الأولى :
أن يتريث الجهّال ويكفّوا عن شططهم وتعصبهم ويحققوا في المسألة المصيرية ، والأخرى : أنّ يقوم القوم علماء الامّة من أصحاب علي عليه السلام بدراسة جوانب المسألة ويختاروا ما ينطوي على الحدّ الأدنى من الخسائر ويهدوا الحكمين لانتخاب الصحيح ، والثالثة : التفكير خلال هذه المدّة في الطرق التي تتكفّل بإصلاح أمر الأمة بصورة كلية واجتناب الأفعال المتسرعة التي تقود إلى الضلال ، والغريب في الأمر التسرع والطيش الذي مارسه الخوارج الجهّال بهذا الشأن ليعرضوا مصير الأمة للخطر دون أدنى دراسة وتحقيق ، وهذا هو ديدن الجهّال من الأفراد في كل عصر ومصر .
أمّا العبارة :
« لَاتُؤْخَذُ بِأَكْظَامِهَا »
فهي كناية عن الحرية من أجل المطالعة واتخاذ القرار والانتخاب ، وهى كناية فصيحة وبليغة ، . والعبارة :
« تَنْقَادَ لِأَوَّلِ الْغَيِّ »
إشارة إلى أنّ التسرع في القرار ضلالة عادة .
وذهب بعض شرّاح نهج البلاغة إلى أنّ المراد بأول الغي رفع المصاحف على أسنة الرماح التي تعدّ أول خطوة في الضلال « 4 » ، ويبدو التفسير الأول بقرينة الجملة التي سبقتها أنسب .
ثم خاض الإمام عليه السلام في نصحهم ووعظهم بالانقياد للحق وعدم مجابهته بالتعصب واللجاجة وملاحظة المنافع الشخصية ، فقال :
« إِنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْ كَانَ الْعَمَلُ بِالْحَقِّ أَحَبَّ إِلَيْهِ - وَإِنْ نَقَصَهُ وَكَرَثَهُ « 5 » - مِنَ الْبَاطِلِ وَإِنْ جَرَّ إِلَيْهِ فَائِدَةً وَزَادَهُ » .
هامش
( 1 ) « يتثبت » : من مادة « ثبت » بمعنى التحقيق .
( 2 ) « هدنة » : من مادة « هدون » على وزن قرون بمعنى الهدوء والسكون ، وتستعمل عادة بمعنى المصالحة بعدالقتال أو وقف اطلاق النار .
( 3 ) « أكظام » : جمع « كظم » على وزن عزم وجمع كظم على وزن قلم بمعنى مخرج النَفَس .
( 4 ) منهاج البراعة ، للعلّامة الخوئي 8 / 180 .
( 5 ) « كرث » : من مادة « كرث » بمعنى شدّة الغم .