إشارة إلى أنّ القرآن الكريم بيّن طائفة من الأحكام الكلية وعلى العالمين بالقرآن استنباط الأحكام الجزئية وإبلاغها إلى عموم الناس ، أو بعبارة أخرى تطبيق تلك الكليات على المصاديق ، على سبيل المثال قال القرآن الكريم : « وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِىءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ » « 1 » .
لا شك أنّ معركة صفين أحد مصاديق هذه الآية ، ووظيفة الحكمين - إن كانا على الصواب وعالمين بالأمور - أن يقولا : لمّا بايع الناس علياً عليه السلام إضافة إلى نص النبي الأكرم صلى الله عليه وآله عليه فانّ عامة الأمة والصحابة قد قبلت خلافته ، فمن سلك غير هذا السبيل كان مصداقاً للباغي والظالم وعليه العودة إلى الأمة والتوبة ، فان أبى وجب على المسلمين مقاتلته حتى يرعوي عن غيه .
ومسألة التحكيم لا تشذ عن هذا الأمر ، فهي ليست سوى ما يقوم به قضاة الإسلام ، أي أنهم يطبقون أحكام الكتاب والسنّة على مصاديقها ويصدرون الأحكام بهذا الخصوص ، فهل هناك من اعتراض على هذا الكلام ؟ للأسف لم يدرك الخوارج الجهال هذا المطلب الواضح ولم يدعهم تعصبهم وجهلهم ليفهموا ذلك فيعوا الهدف الأصلي من الحكومة .
ثم خاض الإمام عليه السلام في توضيح هذا المعنى قائلًا :
« وَلَمَّا دَعَانَا الْقَوْمُ إِلَى أَنْ نُحَكِّمَ بَيْنَنَا الْقُرْآنَ لَمْ نَكُنِ الْفَرِيقَ الْمُتَوَلِّيَ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ :
« فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ » « 2 » » .
فوضح الإمام عليه السلام الآية بالقول : « فَرَدُّهُ إِلَى اللَّهِ أَنْ نَحْكُمَ بِكِتَابِهِ ، وَرَدُّهُ إِلَى الرَّسُولِ أَنْ نَأْخُذَ بِسُنَّتِهِ ؛ فَإِذَا حُكِمَ بِالصِّدْقِ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، فَنَحْنُ أَحَقُّ النَّاسِ بِهِ ، وَإِنْ حُكِمَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ، فَنَحْنُ أَحَقُّ النَّاسِ وَأَوْلَاهُمْ بِهَا » .
ومن هنا فقد أثبت الإمام عليه السلام بوضوح أنّ تحكيم الكتاب والسنّة لا تعني سوى الرجوع إليهما ، ولما كنّا مأمورين بهذا الأمر ، فليس لأحد أن يعترض علينا لم قبلنا التحكيم ، فخطأ
هامش
( 1 ) سورة الحجرات / 9 .
( 2 ) سورة النساء / 59 .